قد تصبح فرصة العمل جنباً إلى جنب مع أشخاصٍ يمتلكون تجارب متنوعة -والتي تُعَدُّ امتيازاً رائعاً في مكان العمل- إحدى أكبر الصعوبات التي تواجهها عندما يتعيَّن عليك العمل مع شخص لديه أسلوب مختلف تماماً عن أسلوبك، والخطوة الأولى والأكثر أهمية في العمل بفاعلية مع الجميع هي تغيير العقلية والإيمان بمبدأ الاتزان.

الاتزان -الذي يجب علينا ألَّا نخلط بينه وبين اللامبالاة- هو أن تهتم اهتماماً مناسباً بما يجري من حولك دون أن تسمح للأحداث الخارجية بالتأثير فيك تأثيراً غير مناسب؛ إليك كيفية توظيف الاتزان لمصلحتك في العمل.

عقلية المكان المريح

بلغة الذكاء العاطفي، يُنظَر إلى الاتزان بوصفه جانباً من جوانب الاستقلالية، فنحن لا نريد الاقتراب عاطفياً من الآخرين حتى لا يستطيعوا التأثير فينا تأثيراً شديداً (وهي حالةٌ نسمِّيها التشابك)، ومن جهة أخرى لا نريد أن نبتعد عنهم لدرجة يتحول سلوكنا فيها إلى حالةٍ من عدم الاكتراث (وهو ما يُعرَف بالافتراق).

عندما نتمكن من العثور على حالةٍ مقبولة بين هاتين الحالتين، نصبح أكثر قدرةً على منع أذهاننا من التأثُّر بما يجري خارجها. وفي حين قد يبدو الافتراق خياراً آمناً، ولكن كيف لشخصين مفترقين أن يتعاونا؟

عندما تكون في حالة من التشابك، قد تهتم جداً بسلوك أو أفعال أو معتقدات شخص آخر، حتى لو كان تأثيرها الفعلي عليك محدوداً، بينما يؤدي الافتراق إلى العكس، فتفقد اهتمامك بالشخص الآخر بالكامل.

قد يبدو الافتراق خياراً آمناً عند التعامل مع شخص لا تطيقه، ولكن من غير المحتمل أن يتعاون شخصان مفترقان، وإذا كنت تعمل في فريق، فمن المحتمل أن تحتاج إلى تطبيق التعاون إلى درجة ما؛ أما إن كنت في منصب قيادي، فإنَّ الافتراق ليس خياراً.

يساعدك فهم الاتزان والاستقلالية على العمل بفاعلية مع الآخرين، ويوفر لك منطلقاً لتطبيق أهم قاعدة في مكان العمل، وهي: ليس عليك أن تطيق الأشخاص الذين تعمل معهم، ولكنَّك مُجبر على العمل معهم.

تحقق مِن استجابتك العاطفية

ربما تختلف مع الآخر في الآراء السياسية، أو ربما قد قال أشياء تخالف معتقداتك تماماً، أو ربما يكون إدراك أنَّك لا تُكنُّ للشخص إلا الكره الخالص أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إليك.

يحدث ذلك نتيجة معرفتك المسبقة به والتجارب التي جمعتكما في العمل على حد سواء، فمن الهام التعامل مع هذه المسألة ببرود وواقعية بغية الانتقال إلى الحالة المقبولة المذكورة أعلاه، وفي المحصلة، هؤلاء مجرد كتلة من الخصائص والسلوكات، مثلك تماماً.

يمكن لوجهات نظرهم المختلفة حول مواضيع شائكة مثل السياسة أو الدين، أن تؤثر غالباً في كيفية رؤيتك له، وهذه طبيعة بشرية بحتة، ومن الصعب إبطالها؛ ومع ذلك يمكنك إدارة ردود أفعالك تجاهها.

على سبيل المثال: قد يقول أحد لديه وجهة نظر سياسية معارضة لوجهة نظرك، أشياء تتعارض بشدة مع معتقداتك، فهل هذا يجعله شخصاً سيئاً؟ طبعاً لا؛ يعني هذا ببساطة أنَّ لديه وجهة نظر مختلفة عنك.

فكما أنَّ وجهة نظرك هي نتاج خبرتك وتكوينك النفسي، كذلك وجهة نظرهم؛ لذا إن أردت أن يحترم الآخرون آراءك ووجهات نظرك، فعليك أولاً احترام وجهات نظرهم. يبدو ذلك سهلاً، وقد يقول الكثيرون أنَّ ذلك ما يفعلون بالضبط، ولكنَّنا نصادف حالات كثيرة يفتقر فيها الآخرون لاحترام آراء غيرهم، وهذا أمر شائع حقيقةً.

فلنفترض أنَّك تحترم آراء الآخرين ووجهات نظرهم، هل يمكنك رؤيتهم كأعضاء فريق منتِجين ومبتكرين ومبدعين؟ وإن توصلوا إلى فكرة لمنتج جديد أو حل لمشكلة ما، فهل يمكنك النظر إلى هذا المنتج أو الحل بموضوعية دون أن تُقحِم مشاعرك تجاههم في حكمك؟

للأسف يقول العلم أنَّ ذلك صعب للغاية؛ إذ ثمَّة حالة من حالات التحيز تُعرَف باسم "تقليل الأهمية الناجم عن ردود الأفعال" (reactive devaluation)؛ حيث نميل في مثل هذه الحالة إلى منح أفكار الأشخاص الذين لا نثق بهم أو لا نطيقهم أو مقترحاتهم قيمةً أقل أو حتى قيمةً سلبية، وتكمن الحيلة هنا في إدارة عدم الثقة والكره أو إيقافهما لفترة.

إليك تسع نصائح حول كيفية التعامل بصورة أفضل مع الأشخاص الذين لا تطيقهم. 

9 نصائح لتعمل بسلام

إليك هذه التكتيكات التي تساعدك على العمل مع زملاء لا تطيقهم:

1. احترم أنَّ تجربتهم هي ما بَنَى نظرتهم للعالم

ليست تجربتك أفضل مما لديهم، فلا تسخر من نظرتهم للعالم أو تقلل من احترامها، وبذلك سيزيد احترامهم لرؤيتك؛ أما في حال لم تنل احترامهم فانظر النصيحة الخامسة أدناه.

2. لا تنجر وراء كبريائك

لا تنجر إلى التفكير أنَّهم لو احترموك أكثر لاختلفت الأمور؛ كن الشخص الأفضل واستلم زمام المبادرة، ولا تدع كبريائك يعيقك.

3. أبعد المناقشة غير المتعلقة بالعمل

اعلم أنَّه من المحتمل في العمل ألا تكون آراؤك أنت أو غيرك جزءاً ضرورياً من الحوار يومياً؛ لذا ننصحك بالتركيز على العمل.

4. انظر لكل تفاعل على أنَّه حدث جديد

اجعل نظرتك موضوعيةً للأشياء، وركِّز على ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموقف. 

5. تجاهل أكثر

إذا قال لك أحدهم شيئاً تجده مسيئاً أو بغضياً، فابذل قُصارى جهدك لتجاهله ببساطة، واعتمد مبدأ الاتزان:  يجب ألا يؤثر ما يحدث في الخارج فيك من الداخل. 

6. انظر للأمور نظرةً شاملةً

يجب ألا تحيد أهدافك عن الإيجابية؛ فكِّر في العلاقات التي تجلب لك البهجة وإتمام المهمة، والتقدم على حد سواء، واعلم أنَّ الاختلافات الشخصية مع الذين لا تطيقهم ليست بتلك الأهمية. 

إذا كنت في منصب قيادي، فإليك بعض النصائح الإضافية:

7. كن مرناً قدر الإمكان مع كيفية إنجاز العمل

ما دام أنَّ العمل يُنجز استناداً إلى معايير مطلوبة وجداول زمنية؛ أعطِ قدر الإمكان مجالاً للأشخاص ليعملوا بطريقتهم الخاصة.

8. عامل كل فرد في فريقك بنفس درجة الاهتمام

حيث توِّلد الصداقة العميقة بين القائد وعضو محدد من الفريق مشاعر الاستياء لدى باقي أعضاء الفريق.

9. لا تُقحم وجهات نظرك الشخصية حول الموضوعات غير المتعلقة بالعمل في الفريق

يعظِّم الفريق أراءك لأنَّك القائد، فيمكن للاختلافات بين وجهات نظرك أنت وأعضاء فريقك أن تسبب الانقسام، مما قد يؤدي إلى تقسيم الفريق وفقاً لوجهات النظر أو الآراء تلك. 

إذا كان أحد أهدافك هو الارتقاء في مؤسستك، فستكون لك فرصةً للعمل مع مزيد من الأشخاص الذين من المحتمل أن يكون لديهم أفكار ووجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالعالم وطرائق العمل؛ لذا تُعدُّ القدرة على التعاون مع مجموعة واسعة ومتنوعة من الأشخاص خصلةً حميدةً تميِّز القادة الفاعلين، ولحُسن الحظ من السهل تنميتها بالممارسة.