تركز القيادة الخدمية على خدمة الآخرين، ورغم تواجد أسلوب القيادة هذا منذ قرون، فقد أصبح أكثر شيوعاً في الإدارة في العقود القليلة الماضية، فدعنا نكتشف المزيد عن هذا الأسلوب في القيادة.
نحن نتعلَّم في ثقافة القيادة الخدمية - سواء بالاختيار أم بالاقتداء - أنَّه إذا أردنا أن نكون عظماء، علينا أن نخدم الآخرين باحترام" – "فيرن دوش" (Vern Dosch)
ما هي القيادة الخدمية؟
ظهر مفهوم القيادة الخدمية قبل ما لا يقل عن ألفي عام، ولكن كان "روبرت ك. جرينليف" (Robert K. Greenleaf) هو أول من أطلق حركة القيادة الخدمية الحديثة في عام 1970 عندما نشر مقالة بعنوان "الخادم بوصفه قائداً"، الذي صاغ فيها كلمات "القائد الخادم" و"القيادة الخدمية".
لقد كتب "جرينليف" عن عملية القيادة الخدمية قائلاً: "يبدأ الأمر بالشعور الطبيعي بأنَّ المرء يريد أن يخدم الناس أولاً، ومن ثمَّ يجعل الاختيار الواعي المرء يطمح إلى القيادة"، وقد عرَّف القائد الخادم على النحو الآتي:
"يرغب القائد الخادم في الخدمة أولاً، أي يريد أن يساعد الناس ويخدمهم قبل اتِّخاذ القرار الواعي بأن يصبح قائداً".
ويختلف القائد الخادم عن القائد العادي اختلافاً كبيراً، ربما لعدم رغبة القائد الخادم في الحصول على السلطة أو الممتلكات المادية بقدر ما يريد خدمة الناس ومساعدتهم وتلبية احتياجاتهم، ويشكِّل هذا الاختلاف الحاد جزءاً من التنوع اللامتناهي للطبيعة البشرية.
أفضل اختبارٍ يمكن إجراؤه لمثل هؤلاء القادة - حتى لو كان إجراؤه عسيراً - هو أن يُطرَح السؤال التالي: هل يتطوَّر هؤلاء القادة الخادمون؟ هل يصبحون أكثر صحة، وأكثر حكمة، وحرية، واستقلالية في أثناء خدمتهم للآخرين؟ وما تأثير ذلك في الأشخاص الأقل حظاً في المجتمع؟ هل سيستفيدون أم على الأقل لن يتعرضوا لمزيدٍ من الحرمان؟
القيادة الخدمية هي أسلوب قيادة اجتماعي للغاية، وفي حين أنَّ القيادة التقليدية تتجه إلى تكديس السلطة واكتنازها وممارستها (والتي غالباً ما تتحول إلى إساءة استخدام) من قِبَل الشخص الموجود في "قمة الهرم"، تدور القيادة الخدمية حول تقاسم السلطة مع فريقك، وتحديد أولويات الآخرين والاجتماع بهم، ومساعدة الناس على التطور وتحسين الأداء بأعلى قدر ممكن.
ومن الجدير بالذكر، أنَّ "جرينليف" عندما قال: "القائد الخادم هو خادم قبل أي شيء" لم يكن يعني أنَّ القائد الخادم يجب أن يكون خاضعاً؛ بل قصد أنَّ القائد الخادم ينبغي أن يرغب في خدمة ومساعدة الآخرين.
لقد أمضى "جرينليف" ما يقرب من أربعة عقود كمدير للتطوير الإداري في شركة "إي تي آند تي" (AT&T)، وعندما تقاعد في عام 1964، كان يُعدُّ أحد كبار الخبراء في قيادة الشركات في العالم.
لماذا تُعدُّ القيادة الخدمية أسلوباً قوياً للإدارة؟
لقد جذب مفهوم القيادة الخدمية انتباه العديد من الباحثين في العقد الماضي، ولقد أظهرت النتائج التي توصَّلوا إليها قوة أسلوب القيادة هذا؛ إذ أجرى "روبرت هايدن" (Robert W. Hayden) من جامعة نبراسكا، لينكولن في الولايات المتحدة الأمريكية (The University of Nebraska-Lincoln, USA) دراسة تحليلية متعدِّدة المستويات للقيادة الخدمية تختبر مفهوم "القائد الخادم" بصورة تجريبية بناءً على اختبار "جرينليف"، ولقد اختبر النتائج الشخصيات الأربع الموضوعة في النظرية، والتي تتمثَّل في الصحة، والحكمة، والاستقلالية، والتوجُّه نحو الخدمات وعلاقتها بالقيادة الخدمية، وكانت جميع الارتباطات هامَّة وإيجابية.
ولقد أشارت نتائج دراسة أجراها "ريتشارد تشينومونا" (Richard Chinomona) عام 2013 من جامعة فال للتكنولوجيا بجنوب إفريقيا (Vaal University of Technology, South Africa)، والتي نُشرت في مجلة ميديترينيان جورنال أوف سوشال ساينس" (Mediterranean Journal of Social Sciences)، إلى أنَّ القيادة الخدمية تؤثر تأثيراً إيجابياً في ثقة الموظف بالقائد والتزامه تجاه المنظمة بطريقة ملحوظة.
وقد وَجدت دراسة أجراها "شين سوكول" (Shane Sokoll) من جامعة كونكورديا يونيفيرسيتي تيكساس (Concordia University Texas) عام 2014، والتي نُشِرت في مجلة "إنترناشونال جورنال أوف ليدرشيب ستاديز" (International Journal of Leadership Studies)، أنَّ للقيادة الخدمية تأثير كبير في التزام الموظف تجاه القادة.
وخلُصَت دراسةٌ أجراها كل من "جاك توماس ماكان" (Jack Thomas McCann)، و"دانيال جريفز" (Daniel Graves)، و"لييفن كوكس" (Lieven Cox)، ونشرها "المركز الكندي للعلوم والتعليم" (Canadian Center of Science and Education) في مجلة إنترناشونال جورنال أوف بيزنس آند مانجمنت (International Journal of Business and Management) أنَّ ثمة علاقة وثيقة بين القيادة الخدمية ورضا الموظفين.
كما أجرى "دينيس م. ميترر" (Dennis M. Mitterer) من جامعة والدن (Walden University) في عام 2017 دراسة بغية اكتشاف العلاقة بين سلوكات القيادة الخدمية، والرغبة النفسية في المشاركة والرضا الوظيفي ونية الموظفين للاستقالة (نية الدوران)، وأظهرت النتائج التجريبية علاقات إيجابية هامَّة بين المتغيرات المستقلة لسلوك القيادة الخدمية والمتغيرات المعتدلة للحالة النفسية للمشاركة والرضا الوظيفي ونية الدوران.
10 صفات يجب أن يتحلَّى بها القائدة الخادم
تقتضي القيادة الخدمية من الفرد أن يتمتَّع بمهارات معينة أو يطوِّرها ليستطيع تطبيقها بفاعلية، ومن أهمها:
1. الوعي الذاتي
تُعدُّ القدرة على النظر إلى الذات والتعمُّق في النفس أمراً هامَّاً لكل قائد خادم؛ إذ يساعده ذلك على رؤية المواقف بطريقة شاملة بدلاً من التركيز على الذات.
2. التعاطف
يُعدُّ فهم وجهات نظر الناس ودوافعهم ونواياهم أمراً أساسياً يتعيَّن على القائد الخادم فهمه؛ إذ يريد الناس أن يشعروا بأنَّ هناك من يتقبَّلهم ويفهمهم.
3. الإصغاء
إنَّ السعي لمعرفة ما يريده أعضاء الفريق، والإصغاء باهتمام لما يقولونه، والتفكير فيما يعنونه أمر ضروري لتطوُّر القائد الخادم.
4. تقديم الدعم
يعاني الكثير من الناس من الشعور بالألم، ويسعى القائد الخادم الجيد إلى تقديم الدعم العاطفي والعقلي والجسدي لمن يتعامل معهم.
5. امتلاك البصيرة
يجب أن يتحلَّى القائد الخادم بالحدس والبصيرة التي تساعده على تحديد النتائج المستقبلية من خلال فهم دروس الماضي، وأحداث الحاضر وتأثيرهم في المستقبل.
6. التصوُّر
يسعى القائد الخادم دائماً إلى تصوُّر "الأحلام الكبيرة"؛ وذلك لأنَّ تصوُّر الصورة الكبيرة والتفكير فيما وراء الأحداث اليومية هو ما يميِّز المنظمات على الأمد البعيد.
7. الإقناع
يجب أن يكون القائد الخادم قادراً على إنشاء توافق الآراء وإقناع الآخرين بدلاً من إرغامهم على الانصياع لأوامره بالاعتماد على الهيمنة الهرمية.
8. تقديم الرعاية
تتطلَّب القيادة الخدمية الالتزام بخدمة احتياجات الآخرين وتحمُّل المسؤولية عن أعمال الفريق ونتائجه.
9. تطوير الفريق
يدرك القائد الخادم أنَّ لأعضاء الفريق قدرات وقيَم جوهرية تتجاوز جهودهم الملموسة كعاملين؛ ومن ثم هو ملزم بتطوير تلك القدرات والمهارات الشخصية لكل فرد.
10. بناء مجتمع
يبني القائد الخادم إحساساً بالاتحاد والتكامل داخل المنظمة؛ وذلك لمعرفته بأنَّ البشر لديهم ميول فطرية للانتماء إلى "جماعة" من نوعٍ ما، فيحرصون على إشباع هذه الميول وتعزيز روح التعاون والاتِّحاد في مكان العمل.
أساليب ممارسة القيادة الخدمية
ثمَّة طرائق عملية يمكنك من خلالها البدء بممارسة القيادة الخدمية في مؤسستك، ونقدِّم لك أهم 6 طرائق منها:
1. معاملة الآخرين بثقة واحترام
عامل كل فرد في فريقك كشخصٍ مستقل؛ إذ يمتلك كل شخص قيمته الخاصَّة، ويستحق كل فرد أن يشعر بأنَّه يحظى بمعاملةٍ حَسَنَةٍ وثقة واحترام، فضلاً عن التعامل معه كإنسان يتمتَّع بالاستقلالية.
2. تحمُّل المسؤولية
يجب أن تُحمِّل نفسك المسؤولية دائماً كقائد خادم؛ إذ يعرف القائد الخادم أنَّه لا يوجد شخص مثالي، وأنَّ الجميع يرتكبون أخطاء، بما في ذلك هو نفسه؛ ومن ثم يتحمَّل المسؤولية عن أفعاله ولا يتنصَّل منها.
3. الإصغاء الفعَّال
يجب على القائد الخادم أن يصغي إلى الآخرين وأن يطلب مشاركة أعضاء فريقه ويصغي إلى أفكارهم وملاحظاتهم؛ ليتمكَّن من ملاءمة أسلوب قيادته مع كل عضو من أعضاء الفريق.
4. خدمة للآخرين
يجب أن يشجِّع القائد الخادم أعضاء فريقه على التخلِّي عن سلوكات الخدمة الذاتية لصالح خدمة الآخرين من خلال أقواله وأفعاله.
5. أن يكون منتوراً
يتعيَّن على القائد الخادم أن يكون منتوراً لأعضاء فريقه وأن يوجههم إلى الإيثار؛ إذ سيساعدهم ذلك على تعلُّم المهارات الحيوية التي من شأنها تحسين أدائهم وتحسينهم كأشخاص.
6. المثابرة
ينبغي على القائد الخادم أن يكون مثابراً وصبوراً ومدركاً لأنَّ محادثة واحدة أو اثنتين قد لا تُحدِث التغيير المرغوب في عقلية الموظف وافتراضاته.
في الختام
تستلزم القيادة الخدمية وضع احتياجات الآخرين قبل أي شيء؛ لذا يركِّز القائد الخادم تركيزاً أساسياً على تطوير وسلامة الأشخاص والمجتمعات التي ينتمي إليها.
لقد نجحت القيادة الخدمية على مرِّ الزمن بفضل ميزة فرضيتها الأساسية: خدمة الآخرين قبل أي شيء، وتظل هذه الطريقة وسيلة قوية للمديرين المعاصرين الذين يتطلعون إلى إبراز أفضل ما في أعضاء فريقهم.