لقد تحدَّثنا في الأجزاء الأولى والثانية والثالثة من هذا المقال عن الذكاء العاطفي والمهارات الاجتماعية وتأثير ثقافة العصر في التعاطف والتنشئة الاجتماعية، وعن الوعي الاجتماعي والذكاء الاجتماعي والعاطفي، وعرَّفنا التعاطف والذكاء العاطفي والعلاقة بينهما، وسوف نستكمل المزيد من العناصر في هذا الجزء الرابع من المقال.

السعادة والذكاء العاطفي والعلاقات

سنركز في هذا القسم على دور الذكاء العاطفي في العلاقات، وكيف يؤثر في السعادة.

والواقع أنَّ الأبحاث أثبتت أنَّ المشاعر الإيجابية، والاستقرار العاطفي، واحترام الذات، والتعلُّق الآمن مشاعر ترتبط بسعادة الشركاء، ورغم صعوبة التوصُّل إلى تعريف معيَّن للسعادة يتناسب مع جميع البشر، هناك أمر مؤكَّد تماماً، وهو أنَّ النزاعات وسوء التفاهم وعدم تلبية الاحتياجات العاطفية سوف تضر بتناغم العلاقة وسلامة أطرافها النفسية.

ومن الجدير بالذكر أنَّك إذا كنت تتحمَّل مسؤولية علاقة معينة، فينبغي عليك التنازل عن بعض أفكار حُب الذات، والتي كانت مُجديةً ربَّما في أثناء فترة العزوبية؛ إذ من الصعب غالباً جمع شخصين مستقلين في مساحة مشتركة إلَّا بعد فترة طويلة من المفاوضات والتنازلات والتضحيات.

قد يقوم بعضهم بذلك بمنتهى السعادة، فحتى إذا حدثت بعض النزاعات والخلافات، قد يتمكَّن المرء من حلَّها بأسلوب متحضِّر من خلال التعبير إلى شريك حياته عن وجهة نظره أو شكواه بهدوء، وبطريقة واضحة ومدروسة، مع الحرص على ألَّا تؤذي كلماته من يحب.

إذا كنت تتعامل بهذه الطريقة، فعُدَّ نفسك محظوظاً؛ إذ يشعر الكثيرون بمشاعر الحزن واليأس والكآبة في أثناء مرحلة التكيف هذه، ولكنَّ الخبر السار هو أنَّه إذا اتَّخذت التدابير والمواقف المناسبة، فيمكنك الوصول إلى النضج الذي سيضمن استمرارية العلاقة بصورة مناسبة.

ويكمن السر في الذكاء العاطفي.

الذكاء العاطفي وإدارة العلاقات

لقد تسبَّبت السمات الشخصية التنافسية والفردية التي رسَّخها فينا المجتمع الحديث في قِصَر عُمر علاقاتنا؛ إذ ترسِّخ فينا المشاهد السنيمائية وما شابه قناعة بأنَّ الشخص الذي اخترناه ليس جيداً بما فيه الكفاية، وأنَّه قد يكون هناك أناس أفضل وأكثر ملاءمة؛ ومن ثم نميل إلى قطع العلاقات بسهولة، فضلاً عن أنَّ هذه العلاقات نفسها أصبحت مؤقتة وغير دائمة في عصرنا هذا.

هذا ما أسماه "زيجمونت بومان" (Zygmunt Bauman) "الحب السائل"، والذي استبدل جودة العلاقات بكميتها.

ويقول "بومان" بأنَّه بين حاجة المرء إلى الأمن والحرية، تشكِّل الحداثة السائلة روابط فضفاضة بما يكفي لتوفير الشعور بالحرية، ولكنَّها في الوقت نفسه، ضيقة بما يكفي لمنح الفرد إحساساً بالأمان المطلوب الآن بعد أن أصبحت المصادر التقليدية للعزاء أقل جدارة بالثقة من أي وقتٍ مضى".

وفي خضم الطيش وعدم اليقين المترسِّخَين في الحياة الحديثة، نجد أنفسنا غالباً متزعزعين نظراً لاعتقادنا بأنَّه ينبغي علينا تعزيز قيمتنا باستمرار لتحسين فرص عملنا، ومظهرنا الجسدي، وثروتنا، وعلاقاتنا الاجتماعية، وقد أدَّت هذه المخاوف بدورها إلى إفساد علاقاتنا من خلال الشك؛ ومن ثم فقدنا القدرة على توقُّع أنفسنا وحياتنا على الأمد الطويل، وتصوُّر إقامة روابط دائمة، أو حتى التنازل عن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها في حياتنا؛ وذلك لأنَّها ليست مضمونة على الإطلاق.

الحداثة السائلة

لقد جعلتنا هذه العقلية غير فعَّالين في علاقاتنا؛ فعندما أصبحنا قادرين على إدارة النزاع، والشعور بقوة عواطفنا، ومعرفة حقيقتنا والانفتاح على ما نرغب فيه حقاً، والرغبة في أن تكون العلاقات غير مشروطة، وألا تنتهي أبداً، صارت الحياة تتغير بسرعة كبيرة تساعد على قطع العلاقات تماماً؛ لذا أصبحنا نحمي أنفسنا خوفاً من أن نُترَك.

ولكن هناك وسيلة للخروج من هذا، ولقد تحدَّثنا سابقاً عن مجموعة واسعة من المهارات الاجتماعية المرتبطة بالذكاء العاطفي، ورأينا كيف تساهم في السلامة النفسية، سواء على المستوى العاطفي أم في علاقة الفرد بالمجتمع.

ولا تُعدُّ إدارة علاقة رومانسية أمراً سهلاً بأي حال من الأحوال؛ إذ ينبغي علينا إدارة أنفسنا وحياتنا، بجانب الحرص على تحقيق ما تستلزمه العلاقة للطرفين للشعور بالرضا عنها، بما في ذلك احترام العديد من القواعد غير المكتوبة وغير المعلنة.

تعزيز العلاقات طويلة الأمد

هناك بعض الخطوات التي يمكن للمرء أن يتخذها لضمان استمرارية العلاقة وتحسين جوانبها السلبية.

لقد أمضى "بريان أوغولسكي" (Brian Ogolsky) الأستاذ المساعد بجامعة إلينوي (University of Illinois) عامين في تحليل أكثر من 1100 دراسة حول موضوع "الحفاظ على العلاقات"، ومع تقدُّم أبحاثه، أشار إلى الأنماط التي تجعل العلاقات مميَّزة، بناءً على الاستراتيجيات الشائعة الاستخدام التي طبَّقها الأزواج لإنجاح علاقتهم؛ فوضع قائمة لمساعدة الآخرين على تحسين العلاقات الرومانسية، كما أشار إلى الأمور التي يمكن أن يقوم بها المرء في حالة الانفصال المحتمل، سواء وحده أم بالتشارك مع الطرف الآخر لإنجاح العلاقة.

يمكن للمرء أن يقوم وحده بما يلي:

  • التركيز على الصفات المميزة للشريك والعلاقة، وإضفاء الطابع المثالي عليها.
  • عدم زيادة الأمر سوءاً من خلال انتقاد السلوك السلبي، ومحاولة تفسير أفعال الطرف الآخر بطريقة إيجابية وعاطفية ومتفائلة، والإيمان بقدرته على التغيير والتطوُّر كشخص.

يمكن للزوجين العمل معاً على:

  • إدارة النزاعات: أي إيجاد حل وسط لتلبية احتياجات وتصورات كل شخص، والقدرة على وضع حد للنقاش من خلال تقبُّل الاختلاف أو الاعتذار لبعضهما بعضاً إذا أخطأ أي منهما.
  • مسامحة بعضهما بعضاً بطريقة معتدلة؛ إذ قد يؤثر الإفراط في التسامح سلباً في الصحة العقلية.
  • التضحية وتقديم بعض التنازلات من أجل إنجاح العلاقة.
  • تقديم الرعاية والمساعدة لبعضهما بعضاً، وتشجيع الترابط بينهما.
  • تقديم الدعم العاطفي غير المشروط وتخفيف ضغوط الحياة على بعضهما بعضاً.

أمَّا إذا كانت العلاقة تسير على ما يرام ولكنَّها تواجه مشكلةً ما، فإليك بعض الخطوات الهامَّة التي قد يعزِّز تطبيقها العلاقة بصورة كبيرة:

يمكن للمرء أن يقوم وحده بما يلي:

  • التفكير في أنَّ الطرفين فريق واحد له مصلحة مشتركة، وهي البقاء معاً.
  • تخصيص المزيد من الوقت للتفكير بطريقة إيجابية في الشريك والعلاقة.
  • إظهار الكرم من خلال القيام بأمور بسيطة ولكن بطريقة غير متوقعة؛ كي تُظهِر للطرف الآخر اهتمامك بأمره.
  • إظهار الامتنان من خلال إخبار الطرف الآخر بمدى شعورك بأنَّك محظوظ بوجودك معه.
  • تمنِّي الخير دائماً له، وإخباره بذلك؛ لإظهار المزيد من المحبة والتعاطف.

يمكن للزوجين العمل معاً على:

  • الحفاظ على شفافية التواصل، ومناقشة موضوعات الخلاف، وإيجاد الحلول لها.
  • التفكير في ماضي العلاقة وحاضرها ومستقبلها.
  • الإصغاء الفعَّال لبعضهما بعضاً والتحدُّث عمَّا يشعران به.
  • التحلِّي بروح الدعابة، والتي قد تخفِّف من التوتر وتجعل التعامل مع المواقف الصعبة أسهل.
  • قضاء الوقت في القيام بالأنشطة الممتعة؛ ممَّا سيضيف عنصراً إيجابياً إلى العلاقة.

بالنظر إلى النقاط المذكورة أعلاه، نجد أنَّ إدارة العلاقات الجيدة تتضمن مجموعة من الصفات الاجتماعية المرتبطة بالذكاء العاطفي.

لقد تناولنا الموضوع بإيجاز، ولكن بما أنَّنا هنا لنناقش العلاقات الرومانسية، فيجب أن نتحدَّث أيضاً عن "التواصل"؛ فهو في نهاية المطاف، ركن أساسي لأي علاقة صحية وإيجابية، وسوف نتحدَّث عنه في الجزء الخامس والأخير من هذا المقال.