مِن بين الصفات التي تحدد "القائد" الحقيقي؛ التعاطف والوعي والترابط، سيخبرك أيُّ رائد أعمال أو مدير متمرس أنَّه مع نمو الأعمال التجارية، تصبح القيادة واحدةً من أكبر التحديات، ويبدأ هذا التحدي باللحظة التي توظِّف فيها أول عضو في فريقك، ويزداد التحدي مع كل شخص تضمه إليكم؛ إذن ما هو أفضل نموذج للقيادة في بيئة الشركات الناشئة؟ يجب استبدال النموذج القديم - للرئيس المتسلط - بالقيادة بالقدوة.

لقد اختار العديد من روَّاد الأعمال الناجحين في يومنا هذا القيادة الخدمية، ويستند مفهوم القيادة الخدمية إلى مبادئ عمرها قرون؛ لكن كان أول مَن قدَّم المصطلح الفعلي للقائد الذي يقلب هرم السلطة ليعطي الأولوية لاحتياجات الآخرين، روبرت جرينليف (Robert Greenleaf) في مقالته المؤثِّرة التي نُشرَت عام 1970 "القائد الخادم"، ومنذ ذلك الحين ازدادت شعبيته في الولايات المتحدة.

كتب آدم غرانت (Adam Grant)، الباحث الإداري البارز والأستاذ في كلية وارتون للأعمال، في كتابه الرائع "الأخذ والعطاء" (Give and Take) كيف أنَّ البحث يُظهر أنَّ القادة الخادمين أكثر إنتاجيةً وتقديراً من قِبل الموظفين، كما اتَّبعت شركات حققت نجاحاتٍ باهرة نهج القيادة الخدمية مثل: متاجر هول فوود (Whole Foods) للمنتَجات العضوية وَ يو بي إس (UPS) للتوصيل وسلسلة فنادق ريتز كارلتون (Ritz Carlton).

فيما يلي ستة مبادئ أساسية للقيادة الخدمية، حدَّدها المؤلف والكاتب لاري سبيرز (Larry Spears) - الذي أنشأ مركزاً للقيادة الخدمية - إلى جانب أمثلة واقعية تساعدك على استخلاص ممارسات مِن هذه الفلسفة كي يزدهر عملك.

1. التعاطف

تحدَّث ساتيا ناديلا (Satya Nadella) - ثالث مدير تنفيذي لشركة مايكروسوفت (Microsoft) بعد بيل جيتس (Bill Gates) وستيف بالمر (Steve Ballmer) - عن الدور الهام الذي يلعبه التعاطف في القيادة الفعالة، حتى أنَّه كتب كتاباً عن ذلك، قائلاً: إنَّ التعاطف "سيغدو ذا قيمة أكبر في عالم يعطِّل فيه سيل من التكنولوجيا الوضع الراهن كما لم يحدث من قبل".

يسعى القائد الخادم إلى فهم ومشاركة مشاعر كل عضو في الفريق وكذلك مشاعر عملائه، ويُحسن الظنَّ في زملاء العمل المؤتَمنين، مما يُسهم إسهاماً كبيراً في تعزيز ولاء أعضاء فريقه له وثقتهم به.

2. الوعي

لدى القادة الخادمين وعي تام بما يجري من حولهم، ويهتمون بحق لسلامة أعضاء فريقهم، ولا يعدُّونهم ببساطة مجرد موظفين يؤدون عملاً محدداً في الشركة.

القادة الخادمون شغوفون بتوفير الراحة لموظفيهم، وقد أظهر أيلون ماسك (Elon Musk) المؤسِّس المساعد لشركة تيسلا (Tesla) للسيارات الكهربائية هذا الوعي مؤخَّراً من خلال تعهُّده بالعمل على خط الإنتاج في أحد مواقع التصنيع الخاصة به، وأداء المهام التي تسببت بإصابة بعض عمَّاله.

والأهم من ذلك، أنَّ القادة الخادمين يمتلكون وعياً ذاتيَّاً، ولديهم فهم عميق لتبعات قراراتهم وسلوكهم على الآخرين من حولهم، فالوعي له ثمنه، وكما كتب غرينليف (Greenleaf): "الوعي لا يمنح العزاء؛ بل العكس تماماً، إنَّه مصدر إزعاج ويثير اليقظة في نفوس الناس، وعادةً ما يكون القادة البارعون بكامل يقظتهم ومضطربين نوعاً ما".

3. بناء المجتمع

يؤمن بول بولمان (Paul Polman)، الرئيس التنفيذي لشركة يونيليفر (Unilever)، أكبر شركة للسلع الاستهلاكية في العالم، إيماناً ملؤه الشغف ببناء مجتمع يمكن أن يزدهر فيه الموظفون والعملاء، وقد حققت العلامة التجارية لشركة يونيليفر (Unilever) التي ترفع شعار الرأسمالية الوجدانية نجاحاً مذهلاً؛ حيث تبلغ قيمة الشركة 170 مليار دولار، ويستخدم 2.5 مليار شخص منتجاتها كل يوم.

يونيليفر (Unilever) نشطة خصوصاً في الأسواق الناشئة، فعلى سبيل المثال: تؤمِّن مبادرة القرى النموذجية احتياجات 1000 مدينة في فيتنام بمساعدة يونيليفر (Unilever)؛ حيث يجب على المديرين التنفيذيين أن يقضوا إقامةً إلزاميةً لمدة أسبوع مع "الأسر الريفية الفقيرة التي قد يشترك فيها كل خمسة أشخاص فرشاة أسنان واحدة"، ويتابع بولمان (Polman) قائلاً: "يمكنك أن تبذل نفسك لخدمة الآخرين، وبذلك تصبح أفضل حالاً".

4. الإقناع

بدلاً من مجرد توجيه الموظفين لاتباع الأوامر بناءً على تسلسل هرمي صارم، يعتمد القائد الخادم على الإقناع بدلاً من الإكراه؛ حيث كان الجميع ينظر إلى الراحل ستيف جوبز (Steve Jobs) الرئيس التنفيذي لشركة آبل (Apple) على أنَّه سيد الإقناع، وغالباً ما تحدَّث موظفوه عن قدرته على إقناعهم بالالتزام بإنجاز الأعمال في المواعيد النهائية التي تبدو مستحيلة.

في الواقع، تُعدُّ مهارة الإقناع إحدى العوامل التي تميز هيكل الإدارة الاستبدادية التقليدية عن النهج القائم على الخدمة؛ حيث يتضمن الإقناع عنصراً هاماً لا تنفع فيه الأوامر وهو الحوار، فعندما تتفاعل مع موظفيك حول سبب قناعتهم بفكرة مفيدة للفريق، والعمل معهم لمعرفة كيف تفيد الجميع، فمن المرجَّح أن يطوِّر الموظفون الدافع الداخلي المطلوب لإكمال المهمة بفاعلية.

5. التصور

يركِّز روَّاد الأعمال الخادمون على الصورة الشاملة، ولا تُشتِّت انتباههم العمليات اليومية والأهداف قصيرة الأجل على نحو مفرط، ووفقاً للرئيس التنفيذي لشركة فيرجين (Virgin) ريتشارد برانسون (Richard Branson)، في الوقت الذي يجب عليك فيه الانتباه إلى كل التفاصيل في أُولى مراحل الاستمرار، سيتوجب عليك لاحقاً التفويض والتركيز على الصورة الأشمل.

يمكِّن القادة الخادمون موظفيهم من التعامل مع الأمور المعتادة، وتحرير أنفسهم ليحلموا بمستقبل أفضل للفريق والشركة، ولا يجعل هذا القائد الخادم حالماً وغير عملي؛ بل على العكس تماماً، سيتمكن القائد الخادم الفعال من الفهم العميق لكل جانب من جوانب العمل، ولن يسمح لنفسه بأن يصرف انتباهه عن الأهداف طويلة الأمد؛ حيث يُعدُّ الشعور بهذه الحرية أيضاً علامة جيدة على وجود موظفين أكفاء يمكنك الوثوق بهم.

6. النمو

القادة الخادمون شغوفون بالنمو الشخصي والمهني لكل عضو في فريقهم، فقد وصفت صحيفة واشنطن بوست القائد الخادم بأنَّه شخص لا يعتقد أنَّه أفضل ممن هم أدنى منه منصباً أو بأنَّ الموظفين لا يعملون بجدٍّ ما لم تُفرَض عليهم رقابةٌ صارمة، ويعتقد القادة الخادمون أنَّه إذا أسست القيم والثقافة الصحيحة، فسيكون بمقدور الأشخاص العاديين فعل أشياء مذهلة.

توَّج موقع غلاس دوور (Glassdoor) الذي يتضمن تقييمات موظفين يبقون هوياتهم مجهولةً شركة فيسبوك (Facebook) كأفضل شركة للعمل في عام 2017؛ حيث يقدِّم المدير التنفيذي مارك زوكربيرج للموظفين الطعام المجاني والإجازات المدفوعة لمدة 18 أسبوعاً للآباء الجدد (ذكوراً وإناثاً) من ضمن عديد من المزايا.

في الختام

على الرغم من أنَّ القيادة الخدمية قد تبدو للوهلة الأولى وكأنَّها تناقض لفظي؛ لكنَّها في الحقيقة استراتيجية قيادة تتبناها بعض أكثر الشركات نجاحاً في العالم.

توجد بيانات قوية لدعم مزايا القيادة الخدمية؛ حيث أجرت جامعة إلينوي في كلية شيكاغو للأعمال دراسةً حديثةً على سلسلة متاجر الأغذية الوطنية جيسونز ديلي (Jason's Deli) مع حجم عينة بلغ 961 موظفاً في 71 مطعماً في 10 تجمعات سكانية، ومن بين تلك المطاعم، أظهرت المتاجر التي يديرها قادة يتَّبعون النهج الخدمي ما يلي:

  • أداء وظيفي أعلى بنسبة 6%.
  • زيادة بنسبة 8% في التصنيفات الإيجابية لخدمة العملاء.
  • ارتفاع معدل الاحتفاظ بالموظفين بنسبة 50%.

لذا إن أردت بدء نشاط تجاري، فعليك التعلُّم من تجربة سلسلة مطاعم جيسونز ديلي (Jason's Deli) التي تؤمن بالفكرة التي تقول: لبناء ثقافة مؤسسية إيجابية ليس هناك أفضل من القيام بذلك بدءاً بقمة الهرم.