إنَّ الذكاء العاطفي مهارة أساسية في وظائف خدمة العملاء، إذ ترتبط إنتاجية الشركة وكفاءتها ارتباطاً مباشراً بجودة المحادثات بين مقدمي الخدمات والعملاء، وتلعب الديناميكيات الشخصية لموظفي خدمة العملاء الأذكياء عاطفياً دوراً هاماً في حل أي استفسارات أو مخاوف بشكل عاطفي؛ ممَّا يؤثر في حركة العملاء، ويزيد الولاء للعلامة التجارية من خلال ترك انطباع إيجابي عن المنظمة لدى العميل.

ومع ذلك، يمثل الاعتماد السريع لتقنية الأتمتة (التشغيل التلقائي) ضمن الأدوار التي تواجه العملاء تحديات جديدة للمؤسسات التي ترغب في الاستفادة من مزاياها، دون التأثير في الخدمة التي تقدمها لعملائها.

قوة عاملة هجينة:

لقد توقعت مؤسسة جارتنر (Gartner) -مؤسسة تساعد العديد من الشركات على زيادة توفر خدمة العملاء، وتقليل أوقات الانتظار، وتحسين معدلات الدقة- أنَّ ربع عمليات خدمة العملاء ستستخدم مساعدين افتراضيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2020، وقد أدَّى ذلك إلى إنشاء قوة عاملة مختلطة من العناصر البشرية والرقمية في العديد من المؤسسات.

وفي حين أنَّ بعض المؤسسات ما تزال تستخدم برامج الدردشة الآلية الأساسية، تختار الشركات التي تمنح الأولوية لتقديم خدمة عملاء عالية الجودة "موظفين رقميين" أكثر تطوراً، والذين يمكنهم الاستجابة للطلبات الأكثر تعقيداً ودقة؛ فبالإضافة إلى التعامل مع استفسارات العملاء البسيطة مباشرة، يمكنهم أيضاً أن يكونوا بمثابة مساعدين لموظفي خدمة العملاء البشريين لمساعدتهم على تقديم استجابات أسرع وأكثر دقة.

يمكن تطبيق المفهوم نفسه في المتاجر، حيث يُدرَّب الموظفون الرقميون في السوبر ماركت على مجموعة متنوعة من استفسارات إعداد الطعام؛ فمثلاً: إذا سأل العميل عن خيارات توابل اللحم، ولم يكن لدى عامل المتجر البشري توصية خاصة، فبإمكان الموظف الرقمي دعمه في تقديم المساعدة.

نظرة مشتركة إلى الذكاء العاطفي:

بينما يلعب الموظفون الرقميون دوراً أكبر في أماكن العمل التي تواجه العملاء، فإنَّ التحدي الرئيس للشركات هو الحرص على أنَّ كلَّاً من الموضفين البشريين والرقميين يقدِّمون الخدمة القائمة على الإدراك العاطفي نفسها؛ ولتأسيس وجهة نظر مشتركة بين الموظفين الرقميين والبشريين حول الذكاء العاطفي، يجب أن نفكر في كيفية دعم العلاقة التكافلية للمكونات الخمسة للذكاء العاطفي كما حددها عالم النفس دانييل جولمان (Daniel Goleman)، والتي تتمثل في: الوعي الذاتي، والتنظيم الذاتي، والتحفيز، والتعاطف، والمهارات الاجتماعية.

تساعدنا المكونات الخمس الأصلية لنظرية (جولمان) في إنشاء مخطط للذكاء العاطفي داخل القوى العاملة الهجينة؛ فرغم أنَّ العوامل البشرية والرقمية لا تتفوق جميعها في المجالات نفسها، إلَّا أنَّها تُظهِر لنا الفرصة في تعزيز الخبرات الإنسانية والخبرات المكتسبة في مجال الذكاء الاصطناعي دون خسارة "اللمسة البشرية".

إذاً، كيف تنطبق المكونات الخمسة على خدمات العملاء الهجينة؟

1. الوعي والتنظيم الذاتي:

إنَّه لمن الهامِّ أن تكون على دراية بحالتك العاطفية والطريقة التي ستؤثر بها في أفعالك عند التعامل مع العملاء، وهذا أمر صعب للموظفين البشريين، خاصة عند التعامل مع العملاء المحبَطين أو العدوانيين.

لكن من خلال العمل التعاوني، يمكن للموظفين الرقميين مساعدة الموظفين البشريين في هذه المواقف من خلال العمل كعامل هامس (Whisper Agent)، حيث يسجل النظام الذكي جميع الاستجابات التي سبق أن قدَّمها موظفو خدمة العملاء ويحلِّلها، ممَّا يمكِّنه من التفكير في الجانب العاطفي للحوار عند اقتراح أفضل استجابة لذلك العميل في الموقف المُحدَّد.

على سبيل المثال: عند العمل على خط الإلغاء "Cancellation line" حيث تكون معظم التفاعلات سلبية، قد يكون من الصعب على الموظفين البشريين الحفاظ على هدوئهم؛ ومع ذلك، ليس من المرجح الحصول على نتيجة عاطفية من الذكاء الاصطناعي؛ ذلك لأنَّ القواعد تملي طريقة التصرف عند رؤية سلوك أو مشاعر معينة.

لا يجعل هذا الموظفين الرقميين وحدهم أفضل موظفين للتعامل مع عمليات الإلغاء، حيث لا توجد فرصة للمصالحة، وقد يشعر العملاء المحبطون بالفعل بالحيرة؛ ولكن بوسعهم رغم ذلك تزويد الموظفين عملاء البشريين بالاستجابات التي تخدم الحالة العاطفية للعملاء على نحو أفضل، مع مساعدتهم على تنظيم استجابتهم ذاتياً.

2. الدَّافع:

مع تغيُّر الزمن، تحول الدافع لأدوار خدمة العملاء من مجرَّد إجراء مكالمات في أسرع وقت ممكن، إلى زيادة قيمة التفاعلات والحرص على أن يصبح لكلٍّ منها نتائج إيجابية؛ ورغم أنَّ هذا يمثل موضِع ترحيب بالنسبة إلى العملاء، إلَّا أنَّ الانخراط والمشاركة الشخصية لساعات طويلة قد يكون مرهِقاً لممثلي خدمة العملاء، ممَّا يؤدي إلى ثغرات في التركيز وتقليل النتائج المثالية للعملاء.

يركِّز الموظف الرقمي أيضاً على تحقيق النتيجة والحالة العاطفية الإيجابية للعميل عند التعامل المباشر مع التفاعلات؛ ولكن نظراً إلى طبيعته الرقمية، لا يهتم إذا كان يقضي خمس دقائق أو خمس ساعات في التعامل مع استعلام واحد؛ لذا، يمكنه التوسُّع في المحادثات.

حتى عند العمل كموظف هامس، يساعد الموظف الرقمي في موازنة حاجة المنظمة إلى عدد كبير من الاستفسارات التي تحل المشكلات وتقدِّم خدمة ونتائج أفضل؛ حيث إنَّه قادر على تزويد الموظف بأفضل استجابة وأكثر المعلومات ذات صلة في الوقت الفعلي، ويساعد هذا الموظف على توفير تلك الخدمة الفائقة بمعدل دقة عالٍ ومُرحَب به غالباً في أدوار خدمة العملاء.

3. التَّعاطف:

إنَّ وجود موظف خدمة عملاء متعاطف مع مشكلتنا، ويمكنه إظهار التفاني في حلها عنصر رئيس لتقديم ارتباطات إدراكية عاطفية؛ فالتَّعاطف مهارة حياتية رئيسة للبشر، ولكن كان من الصعب جداً على الموظفين الرقميين أن يكونوا متعاطفين ويظهروا مهارات الإصغاء والفهم.

حتى عند تتبع الحالة العاطفية للشخص والاستجابة لها، لا يزال من الممكن أن تبدو العوامل الرقمية باردة وروبوتية عند استخدام لغة متعاطفة؛ لذا، يحتاج الموظفون الرقميون إلى جانب إضافي من الوعي الذاتي، والذي يدرك المحادثات التي تتطلب الرأفة والتعاطف؛ وذلك حتى يتمكَّنوا من نقلها إلى الموظف البشري.

4. المهارات الاجتماعية:

يُعدُّ بناء علاقة مع العملاء أمراً حيوياً لخدمة العملاء، ولكنَّه غالباً ما يمثِّل الجانب الأكثر تحدياً، ويصعب على الموظفين الرقميين القيام به؛ فعلى سبيل المثال: لم يبنِ أحد علاقة مع تقنية أمازون أليكسا (Amazon Alexa) الاصطناعية رغم استخدامها يومياً.

ومع ذلك، من خلال دورهم بصفتهم موظفين مهمشين، يمكن للموظفين الرقميين مساعدة ممثلي خدمة العملاء من البشر على بناء علاقات أفضل، ويمكنهم تقديم المشورة للعملاء حول أفضل طريقة للتعامل مع أي عميل باستخدام تحليلهم للحالة العاطفية والتفاعلات السابقة.

5. زيادة إمكانات خدمات العملاء:

يساعد الموظفون الرقميون في تعزيز وظائف خدمة العملاء في المؤسسات حول العالم، وذلك بفضل قدرتهم على تتبُّع الحالات العاطفية المختلفة وتقديم المشورة بشأنها والاستجابة لها؛ إذ من خلال الذكاء العاطفي المشترَك، تساعد العلاقة التكافلية بين الموظفين البشريين والرقميين على تحسين عملية فهم العملاء وجعل كل تفاعل فريداً وإيجابياً قدر الإمكان، مع تقديم أفضل النتائج.

 

المصدر