ما هي أفضل طريقة لتعليم الأطفال الذكاء العاطفي؟ وكيف يمكننا مساعدتهم على تطوير وعيهم الذاتي ومهاراتهم في التعاطف، والتواصل الفعال مع الآخرين؟
تستند إجابات هذه الأسئلة إلى عدد من العوامل، لا سيما عمر الطفل وما إذا كنت أحد الوالدين أو المدرِّس؛ ونظراً لأنَّ الذكاء العاطفي قد انتشر وأصبح جزءاً لا يتجزأ من المناهج الدراسية حول العالم، فإنَّنا نشهد نمواً ملحوظاً في أعداد نشاطات الذكاء العاطفي عند الأطفال والمسابقات والألعاب التي يمكن أن ينخرطوا فيها.
سنلقي نظرةً في هذا المقال على كيفية اختلاف الذكاء العاطفي بين الأطفال والراشدين، ومدى أهميته وخيارات تعزيزه لدى الأطفال.
ماذا يعني الذكاء العاطفي عند الأطفال؟
يعتمد مستوى الذكاء العاطفي اعتماداً جوهرياً على عمر الطفل، وهو عادةً ما يستمر بالتطور في كل مرحلة عمرية، لكن ماذا يعني الذكاء العاطفي عند الأطفال في الواقع، وكيف يُعبَّر عنه في كل مرحلة من مراحل تطوُّرهم؟
باختصار، تتشابه أساسيات الذكاء العاطفي بين الأطفال والراشدين، وكل ما هنالك أنَّ معظمنا قد نسي منذ فترة طويلة كيف اكتسب أبسط هذه المهارات، كأن نستطيع تحديد مشاعر الأشخاص المختلفة عنا.
وكلما كبر الطفل، تعلَّم مهاراتٍ مختلفةً متعلقة بالذكاء العاطفي وبمعدلات مختلفة، فلا يوجد نموذج خطي واحد يحدد ويختزل خصائص الحاصل العاطفي (EQ) لدى الأطفال في مختلف الأعمار، ومع ذلك، يوجد بعض الأشياء التي تنقل الطفل من التطور الحسي الحركي الخالص إلى مرحلة تنطوي على تكوين الصداقات والتحكم في الانفعالات.
تتضمن أبحاث دينام وَسارني (Denham, 1998; Saarni, 1999) هذه الخطوات لتطور الذكاء العاطفي عند الأطفال:
- تطوير الوعي العاطفي بمشاعرهم الخاصة أولاً، ثم بعواطف الآخرين.
- التعرف إلى العواطف وتحديدها وإدراكها، بالإضافة إلى فهم ماهية الشعور؛ حيث يتعلَّمون فهم ما تعنيه تعبيرات الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت وما إلى ذلك؛ ويتمكَّنون مِن التعرف إليها لدى الآخرين، وتصنيفها إلى عواطف سعادة أو غضب أو حزن.
- وصف المشاعر، وتسمية العواطف؛ حيث يتعلَّمون كيفية استخدام المفردات العاطفية للتعبير عن مشاعرهم.
- التعاطف مع مشاعر الآخرين، وسيصل هذا في مرحلة ما إلى أن يعتريهم القلق عندما لا يكون الآخرون على خير ما يرام، حتى أنَّهم سيتعاطفون مع الحيوانات.
- التحكم في عواطفهم وإدارتها، والتعلُّم ثم تطبيق هذه المعرفة في المواقف المناسبة التي تتطلب التصرف أو التفاعل حال شعورهم بشيء ما.
- إدراك ما الذي يحرك هذه المشاعر، سواء في أنفسهم أم في الآخرين.
- فهم الروابط بين العواطف والسلوكات؛ كأن يقول الطفل مثلاً: "ركل أبي الحائط لأنَّه غاضب".
أمثلة على الذكاء العاطفي عند الأطفال
يوجد العديد من الأمثلة المحتمَلة التي اخترنا منها ثلاثةً فقط لمساعدتك على معرفة ما إن كان أطفالك يطوِّرون ذكاءً عاطفياً، فالأطفال:
- يعبِّرون عن أنفسهم: فحتى الأطفال الهادئون للغاية يعبِّرون عن عواطفهم بوضوح، ففي حين قد يكون الأطفال الأعلى صوتاً أكثرهم قدرةً على التعبير اللفظي، قد يغنِّي الأطفال الأكثر انطوائيةً أو يرسمون أو يكتبون عن شعورهم، وفي بعض الأحيان، تحدث هذه الأشياء تدريجياً لدرجة أنَّك قد لا تنتبه إليها على الفور.
- يُصغونإلى الآخرين: انظر إلى هذا المثال عن الطفلين "سعيد وزينة":
يقول سعيد: "لدي كلب كبير".
فتقول زينة شيئاً بعيداً كلَّ البعد عما قيل، شيئاً يركِّز على الذات، مثل: "والدي شرطي".
لكن يتحوَّل الحوار في مرحلة لاحقة في المستقبل إلى التالي:
سعيد: "لدي كلب كبير".
فترد زينة بدهشة: "ما اسمه؟" أو "ما لونه؟".
فمع تطوُّر الأطفال، يبدؤون بالإصغاء بفاعلية إلى الآخرين والاستجابة بطرائق ملائمة عاطفياً، وفقاً لـ روبرتسون (Robertson, 2005)، وكمثال آخر، قد يخبر سعيد زينة أنَّه متحمس؛ وذلك لأنَّ كلبه قد تعلَّم حركةً جديدة، وقد تكون زينةً سعيدةً لأجله.
- ينظمون أنفسهم ذاتياً؛ ففي مرحلة ما، قد تلاحظ أنَّ أحد طلابك أو أبنائك يأخذ وقته لمعالجة أمر عاطفي، وغالباً ما تكون هذه العملية أبطأ عند الأطفال، لكنَّها تُعدُّ خطوةً عظيمةً للمضي قُدماً، وفقاً لـ مايكل وزملائه؛ فإذا لاحظت أنَّ طفلك يتريث ويأخذ نفَساً عميقاً بدل أن ينفجر غاضباً كما كان يفعل دوماً؛يعدُّ ذلك علامة على بناء التنظيم الذاتي الذي يُعبَّر عنه بهذا السلوك العقلاني.
هل يجب أن نعلِّم الأطفال الذكاء العاطفي؟
الجواب باختصار هو نعم، فرغم اختلاف وجهات النظر حول المناهج الدراسية فمن المحتمل أنَّها تدرِّس بالفعل بعض مهارات الذكاء العاطفي، وذلك من خلال تصميم وتعزيز بعض السلوكات، من خلال الإصغاء والتحقق والتعاطف، وغيرها من الأمور، كما أنَّ مجرد مناقشة الموضوعات العاطفية يفيد في مساعدة الأطفال على التعرف إلى المشاعر، فضلاً عن أنَّه يُغني مفرداتهم العاطفية.
يساعد الذكاء العاطفي الأطفال على فهم أنفسهم والآخرين، والتواصل والتعامل مع المشاعر غير السارة، كما يساعدهم على توطيد العلاقات والحفاظ عليها على جميع المستويات المهنية أو الشخصية، سواء الآن أم في فترة لاحقة مِن حياتهم؛ فإن رغبت في تعليم طفلك في فصول دراسية منفصلة بعيداً عن الآخرين، فهو خيارك وحدك؛ ولكن لا يوجد سبب علمي حقيقي يمنعنا من تعليم الذكاء العاطفي للأطفال.
كيف يؤثَّر ذلك في أسلوب التربية؟
إذا انتبهت إلى مثالنا السابق "ركل أبي الحائط لأنَّه كان غاضباً"، أو حتى لو لم يعجبك؛ لا يمكنك إنكار كونه مثالاً جيداً على دور الأبوين في تطوير الذكاء العاطفي، فضلاً عن وجود العديد مِن المؤلفَات التي تدعمه.
تلخِّص إحدى الدراسات التي أجراها موريس (Morris) وزملاؤه في عام 2007 جزءاً كبيراً من هذا بصورة مقتضبة؛ بينما تركز أبحاثهم التجريبية على التنظيم العاطفي (ER)، ويمكن تطبيق كثير من المبادئ على نطاق أوسع على الذكاء العاطفي كليَّاً؛ حيث توصَّل موريس وزملاؤه (Morris et al., 2007 إلى نتائج جديرة بالذِّكر، يمكن تلخيصها بما يأتي:
يتعلَّم الأطفال التنظيم العاطفي من خلال الملاحظة؛ حيث تلعب ممارسات وسلوكات الأبوين دوراً رئيساً في ذلك، وهذا يشمل أن يكونوا نماذج يحتذي الأطفال بها في سلوكاتهم، ويطبِّقوا الكوتشينغ المناسب مع أطفالهم وما شابه ذلك.
تُوجِد العائلات بيئات عاطفيةً خاصة بها؛ حيث يشمل ذلك كيفية التعبير عن عواطف الأفراد أو الوقت المناسب لذلك أو حتى شروط التعبير عنها، ويمكن أن تكون هذه البيئات العاطفية مشجِّعةً لتنمية التنظيم العاطفي لدى الأطفال، وقد لا تكون كذلك.
بناءً على هذا، وعلى ما نعرفه عن التعلُّم على نطاق أوسع، يمكننا إضافة بعض الجوانب الأخرى:
يتعلَّم الأطفال الذكاء العاطفي بصورة غير مباشَرة ومن خلال التعزيز، وفقاً لـ باندورا (Bandura, 1963)؛ من خلال مراقبة الوالدين والأشقاء على سبيل المثال، كما يتعلَّم الأطفال عن طريق التجارب العائلية المتعلقة بمفهوم المناخ العاطفي ويمكن للوالدين تعليم الذكاء العاطفي للأطفال ودعمه والأخذ بيَدهم لتطويره بطرائق فعالة، ويُعدُّ هذا مجرد امتداد أكثر تحديداً لـ "ممارسات الأبوين".
يقودنا هذا إلى بعض الطرائق المسلية التي يمكن للآباء وغيرهم نهجها لمساعدة الأطفال على تنمية الذكاء العاطفي.
الحاصل العاطفي لتبادل الأدوار عند الأطفال
يتعلق الذكاء العاطفي بالمهارات الاجتماعية بقدر ما يتعلق بالوعي الذاتي؛ حيث يُعدَّ تبادل الأدوار طريقةً رائعةً لتعليم الأطفال مهارات التعامل مع الآخرين، مثل: التعاطف والتنظيم العاطفي والتعبير عن الذات وغيرها، حتى بالنسبة إلى الأطفال الذين سبق أن طوروا هذه المهارات، سيتيح لهم تبادل الأدوار التدرب على مهاراتهم تلك وتطبيقها وصقلها.
تُعدَّ التمثيليات التحزيرية التي تعزز التعاطف إحدى الأمثلة المذهلة على لعب الأدوار لتعزيز الذكاء العاطفي، والتي يمكنك توظيفها لمساعدة الأطفال على تنمية التعاطف لديهم، كما هو الحال في التمثيليات التحزيرية العادية، يمكن أن تضع فريقين أو أكثر يضمَّان مجموعةً مِن الأفراد؛ لكن على عكس التمثيليات التحزيرية العادية، ليس هنالك ضرورة للامتناع عن الكلام في أثناء محاولة اختبار الآخر لمعرفة مقصدك.
ابدأ بمناقشة فكرة التعاطف واستخدم الأمثلة المساعِدة، ثم قسِّم الأطفال إلى مجموعات واطلب من كل فريق ابتكار واحد مما يلي:
- سيناريو.
- عاطفة تُجاري السيناريو.
- استجابة لكل منهما.
قد تعرض إحدى السيناريوهات طفلاً يصدم رأسه جرَّاء السقوط من السرير، يمكن أن تكون الاستجابة المقابِلة هي تعاطف الطفل الآخر معه ووضع كيس ثلج على رأسه.
دع الأطفال يمثِّلون سيناريوهاتهم الخاصة ويستعرضون عواطفهم، ويجب على الفريق أو الفِرَق الأخرى محاولة معرفة ما يحدث؛ فهذه طريقة رائعة لمساعدة الأطفال على استيعاب مفهوم التعاطف بينما يضعون تلك المعرفة حيز التنفيذ.
في أثناء تمثيلهم السيناريو والاستجابات له، سيتمكنون من الاستعانة بمفرداتهم التعاطفية، لكن دون نسيان لعبة التخمين برمتها، وسيساعدهم ذلك أيضاً على تبادل أفكارهم بطرائق مختلفة لإظهار التعاطف في الحياة الواقعية معاً بطريقة مسلية.
كيف يمكننا تعزيز الذكاء العاطفي في مرحلة الطفولة المبكرة؟
يمكننا أن نبدأ بالأساسيات، عبر خلق مساحة آمنة يشعر فيها الأطفال بالدعم والحرية للتعبير عن عواطفهم.
في الحقيقة، يوجد العديد من الأنشطة والمسابقات والتمرينات لمساعدة الأطفال على تطوير ذكائهم العاطفي؛ لذا حاول اختيار نهج ليس صعباً للغاية أو سهلاً لدرجة تضجرهم؛ حيث يماثل هذا النهج في الواقع إلى حد ما منطقة التطوير القريبة، وفقاً لـ فيجوتسكي (Vygotsky, 1978).
إن أردت أن تكون أكثر تحديداً، يمكنك اختيار المسابقات والألعاب الملائمة لكل فئة عمرية، واعلم أنَّ كلَّ طفل فريد من نوعه، وسوف يتطوَّر وفقاً لوتيرته الخاصة؛ لذا قد يكون النهج الذي يناسب أحد الأطفال، صعباً جداً بالنسبة إلى آخر، والعكس بالعكس.
هل يمكننا تعليم الذكاء العاطفي في مرحلة رياض الأطفال؟
توضِّح العديد من الرسوم المتحركة والألعاب التي تُغري الأطفال الصغار أنَّه من غير السابق لأوانه أبداً البدء بتعليم الذكاء العاطفي، حتى في مرحلة رياض الأطفال.
ففي الواقع، يبدأ الأطفال فعلاً بتطوير وعي أكبر بعواطفهم في مرحلة الطفولة المبكرة، إضافةً إلى تكوين فهم بسيط لمشاعر الآخرين؛ حيث يتعلَّمون استخدام لغة بسيطة لوصف عواطف مَن حولهم، وربطها بسلوكات الآخرين، وفقاً لـ دي فيليرز وَدي فيليرز (de Villiers & de Villiers، 2014).
واستناداً إلى الأدلة العلمية، إلى جانب المهارات الأخرى، يؤطر هذا تطوير الكفاءة الاجتماعية؛ إذ عادةً ما ينشأ هذا أيضاً في مرحلة رياض الأطفال، بمجرد أن توضع الأساسيات في مكانها، وفقاً لـ دينام وزملائه؛ وبناءً عليه، يمكن لنوع تعليم الذكاء العاطفي الذي يستمر على طول مرحلة رياض الأطفال أن ينجح غرضه على نطاق واسع.
كبداية وفي المراحل الأدنى، غالباً ما تركز أنشطة الذكاء العاطفي وخطط الدروس على كفاءات الذكاء العاطفي "الأساسية" مثل: الوعي الذاتي والتعرف إلى العواطف والتعبير عنها.
وفي أثناء تطوير الأطفال لتلك الكفاءات، سيبنون أرضيةً لتطبيق تقنيات أكثر تعقيداً لإدارة العواطف والمهارات الاجتماعية وغيرها؛ وبعبارة أوضح: يحتاج الأطفال إلى تعلُّم المشي قبل أن يتمكنوا من الجري.
في الختام
يتمحور الذكاء العاطفي حول العديد من الأمور، بدءاً من فهم شعورنا والاعتراف به، ووصولاً إلى تنمية علاقاتنا مع مَن حولنا ورعايتها؛ حيث يُعدُّ منح الأطفال الفرصة لتطوير التعاطف والمهارات الاجتماعية وغيرها من أفضل الطرائق لتهيئتهم للحياة مستقبَلاً، بدءاً من تكوين الصداقات في المدرسة، وإدارة مشاعرهم عند شعورهم بالإحباط، ووصولاً إلى مساعدتهم في تجربة أفضل السبل للتأقلم مع التغييرات في المستقبل.
تتميز عملية تعليم الذكاء العاطفي للأطفال بأنَّنا نتعلَّم في أثنائها أيضاً كثيراً من الأشياء، وطالما أنَّ التعلُّم لا يقيِّده عُمر، فلا يجب أن نكفَّ عن تطوير الذكاء العاطفي لدينا كبالغين.
نأمل أن يفيدك هذا المقال في الصف الدراسي أو في المنزل، وأن تجد المتعة في تطبيق ما ذُكر فيه لتعليم أطفالك مهارات ستشكل لبنةً أساسية لتنميتهم على المستوى العاطفي وجعلهم أفراداً أذكياء عاطفياً وقادرين على التأقلم في جميع البيئات.