لقد تزايد الحديث عن الذكاء العاطفي خلال السنوات القليلة الماضية تزايداً ملحوظاً، إذ يعتقد الكثير من الناس أنَّ الذكاء العاطفي (EQ) للمرء لا يقلُّ أهمية عن الذكاء المعرفي، بل ربَّما يفوقه أهميةً؛ وذلك لأنَّ هناك بيانات مهنية وتجارية تدعم هذا الاعتقاد، إليك بعضها:

- ذكرت شركة بيبسي (PepsiCo) أنَّ مديريها التنفيذيين من أصحاب الذكاء العاطفي المرتفع كانوا أكثر إنتاجية بنسبة 10٪ من أولئك الذين كان ذكاؤهم العاطفي أقل.

- ذكرت شركة لوريال (L’Oreal) أنَّ مندوبي مبيعاتها الذين يتمتعون بذكاء عاطفي مرتفع باعوا بمعدل 2.5 مليون دولار أكثر من نظرائهم من ذوي الذكاء العاطفي الأقل.

- ساعد برنامج الذكاء العاطفي (EQ) الذي وضعته سلسلة فنادق شيراتون لموظفيها على زيادة حصتها السوقية بنسبة 24٪.

رغم ذلك، غالباً ما يجري تجاهل الذكاء العاطفي للفرق نتيجةً لعادة معظم الناس في التركيز على الأداء الفردي لكلِّ فردٍ على حدة؛ وينقلنا هذا إلى سؤال هام: "هل يؤثر الذكاء العاطفي في العمل الجماعي الناجح؟"، والإجابة: "نعم، بالتأكيد"، إذ:

أولاً: يؤثر متوسط ​​الذكاء العاطفي للموظفين في أداء الفريق ككل.

ثانياً: تتعلم معظم الشركات الآن تدريب المجموعات على دمج ممارسات الذكاء العاطفي في الأنشطة اليومية، وعلى الطرائق التي يجب استخدامها للتفاعل مع الآخرين.

لماذا يعدُّ الذكاء العاطفي هاماً لأداء الفريق؟

دعنا نتخيَّل أيَّ نوع من أنواع الفرق للإجابة عن هذا السؤال، وليكن فريقاً رياضياً مثلاً.

لاحظ كيف يقضي أعضاء هذا الفريق الكثير من وقتهم في الممارسة العملية وهم يتعلمون العمل معاً، حيث يعدُّ مقدار الوقت الذي يقضونه أمام الجماهير جزءاً صغيراً من حياتهم العملية.

تقضي هذه الفرق معظم وقتها في مراكز التدريب لتتمرَّن على بناء الذكاء العاطفي من حيث: الثقة ببعضها بعضاً، والتواصل، والإصغاء، والانضباط الذاتي، والتحفيز، وما إلى ذلك؛ وعلى النقيض، قد يقضي الموظفون معظم وقتهم في المواقف غير المجدية التي تُضيع الكثير من الوقت والمال، ويقضون في المقابل وقتاً أقل في تعلُّم كيفية العمل كفريق.

ولكن ازداد معدَّل الوقت الذي يقضيه الموظفون في العمل بالتعاون مع الآخرين لأكثر من 50٪ في السنوات العشرين الماضية؛ وبما أنَّ مزيداً من العمل يُنجَز في فرق عمل، فتعدُّ القدرة على التواصل مع الآخرين أمراً بالغ الأهميَّة لإنجاز عمل الفريق بنجاح.

ومع ذلك، يفضِّل العديد من الأفراد ذوي الأداء العالي الاستقلالية في أداء المهام، إذ غالباً ما يساعدهم ذلك على النجاح منذ البداية؛ وبالمثل، كثيراً ما يفضل المديرون أن يقضي أعضاء الفريق وقتهم في الإنتاج بدلاً من أن يقضوه في تمرينات بناء الفريق، حيث يفترضون أنَّ أعضاء الفريق سيعرفون بالطبع كيف يعملون معاً؛ ولكن ليس هذا هو الحال دائماً.

يواجه المديرون أحياناً بعض المشكلات في محاولة خلق روح التعاون بين أعضاء الفريق، مثل:

- عدم القدرة على التنسيق الفعَّال للعمل بين الأفراد.

- الافتقار إلى الدوافع بسبب الإحباط، ونقص المهارات المتعلقة بالذكاء العاطفي.

إنَّ كلَّ ما يحتاجه أعضاء الفرق مديرون يشجِّعون ممارسة العمل الجماعي القائم على الذكاء العاطفي، ويعلِّمونهم التعاون بكفاءة مع بعضهم بعضاً.

لماذا يُعدُّ الذكاء العاطفي هاماً لبناء فرقٍ جيِّدة في مكان العمل؟

تشجع العديد من المنظَّمات موظفيها على بناء مهارات الذكاء العاطفي بشكل فردي، وتزودهم بالموارد للقيام بذلك؛ ولكن للأسف، لم يساعد التدريب الصريح للفرق على بناء هذه المهارات.

نظراً إلى الحاجة الدائمة إلى فرق ومجموعات جيدة التنسيق لمواجهة التحديات في بيئات العمل الأكثر تعقيداً، فإنَّ تدريب الفريق على الذكاء العاطفي أمر ضروري.

 إليك الجوانب الأساسية الخمسة للذكاء العاطفي:

- الوعي الذاتي.

- الدافع الداخلي.

- التعاطف.

- المهارات الاجتماعية.

- التنظيم الذاتي.

هناك عدة أسباب رئيسة تجعل الذكاء العاطفي أمراً حيوياً لبناء فرق جيدة، وإحدى هذه الأسباب: سهولة تدفُّق المشاعر بدرجة كبيرة في أثناء التفاعلات الاجتماعية أكثر ممَّا يحدث في أثناء العمل الفردي؛ إذ يمكن للشخص الذي يبدو هادئاً وهو يعمل بمفرده، أن ينفجر غاضباً فجأةً إذا قاطعه أحد، أو إذا اختلف معه زميل.

تأتي العديد من الإنجازات العظيمة التي تُذكَر في التاريخ من فرق مذهلة؛ لذا فكِّر في الشركات العظيمة في العالم، وستجد أنَّ فرق العمل التي تعمل بها تشكل عمودها الفقري.

هل كان بإمكانهم إنجاز ما فعلوه في حال كانوا يشعرون بالإحباط المستمر في أثناء معاملتهم بعضهم بعضاً؟ لا نعتقد ذلك؛ لذا، إنَّه لمن الضروري أن يشعر أعضاء فريقك بالأمان، وألَّا يشعروا بأنَّ زملاءهم قد ينتقدونهم عندما يعرضون أفكاراً جديدة أو مختلفة.

لا شك إذاً أنَّ الذكاء العاطفي يؤثِّر في العملِ الجماعي ويجعله أكثر نجاحاً وإيجابية؛ لكن انتبه، فقد يكون هناك الكثير من الحالات التي تعيش هذا النوع من الانهيار في فرقك أكثر ممَّا تدرك، وقد يتوقف بعض أعضاء الفريق عن محاولة العمل مع زملائهم لأنَّهم تعبوا من الشعور بالأذى بسبب السلوك السلبي للآخرين.

يتعين على المدراء وقادة الفرق لبناء فرق عمل جيدة، خلق ثقافة الفريق المتعاون الذي يبذل فيه الأعضاء القدر نفسه من الجهد لتعزيز وبناء علاقاتٍ جيدة فيما بينهم، بحيث تجعلهم قادرين على التناغم وحل مشكلات العمل.

ما دور الذكاء العاطفي في التعاون بين أعضاء الفريق؟

تنشأ النزاعات بسرعةٍ عندما يجتمع الأشخاص الذين بينهم اختلافات للعمل كمجموعة؛ كما أنَّ المزاج وحده كفيل بإحداث الصراعات والنزاعات، ناهيك عن الأهداف والقيم المتناقضة والتوقعات المختلفة.

يبحث الموظفون الذين يتمتعون بذكاءٍ عاطفي عالٍ وسط كل هذا عن فرصٍ للتعاون مع الآخرين عندما يحتاجون إلى حل مشكلة، أو التغلب على الصراع.

يحتاج أعضاء الفريق إلى تعلُّمِ مهارات إدارة ردود أفعالهم العاطفية تجاه الآخرين عندما يواجهون الاختلافات؛ إذ يؤدِّي النَّقد وإلقاء اللوم وردود الفعل السلبية الأخرى إلى تقليل الإنتاجية، وردع الموظفين عن التعاون مع أولئك الذين يتصرفون على هذا النحو.

قد يبدو الأمر وكأنَّه ينبغي على الموظفين أن يتعلَّموا مزيداً من التعاطف والتسامح والانضباط الذاتي، وما شابه ذلك، وهذه مهارات رائعة؛ لكنَّ الذكاء العاطفي للفريق يتطلب بناء ممارسات معيارية مشتركة يدعمها الفريق ككلٍّ ويوافق عليها.

يمكن أن يساعد تشجيع مثل هذه المعايير الاجتماعية في مكان العمل الفرقَ على تطوير عادات مشتركة تضمن الاحترام والثقة المتبادلة بين الموظفين؛ فإذا وضعَ العديد من فرقك معايير مماثلة، فيمكن أن يتحسن التعاون فيما بينهم أيضاً.

كيف يمكنك بناء فريق ذكي عاطفياً؟

هناك طريقة رائعة لتدوين العادات التي تشكل فريقاً ذكياً عاطفياً، وهي تقسيم هذه العادات إلى تسعة معايير اجتماعية استناداً إلى قائمة الكفاءة العاطفية للمجموعة:

1- فهمُ كلِّ عضو في الفريق: يُشجَّع أعضاء الفريق على فهم واحترام وتقييم وجهات النظر المختلفة والسمات الشخصية لكلِّ عضو في الفريق.

2- التصدي لانتهاك القواعد والمعايير: ينبغي على أعضاء الفريق تذكير بعضهم بعضاً إذا انتهكوا قاعدةً ما بطريقةٍ قد تؤذي الآخرين، حتى إذا فعلوا ذلك عن طريق الخطأ.

3- المراعاة: يجب ألَّا يقبل أعضاء الفريق شيئاً أقل من السلوك المهذب والتعاطف ومراعاة بعضهم بعضاً، أي معاملة كلِّ شخص كما يحب أن يُعامَل.

4- التقييمات الذاتية للفريق: يجب على المديرين تحليل نقاط القوة والضعف لفريقهم بانتظام، وذلك من حيث: الإنجازات، والعمل الجيد، والتفاعلات الناجحة، وإعطاء كلِّ شخصٍ تغذية راجعة مشجعة عمَّا يقوم به من أمورٍ إيجابية.

5- توفير وسائل الذكاء العاطفي: يجب على القادة توفير طرائق مختلفة للموظفين لفهم عواطفهم والعمل معها، وقد يتضمَّن ذلك: الاجتماعات التي يمكن للموظفين فيها التنفيس عن مشاعرهم في بيئةٍ آمنة.

6- ثقافة التفاؤل: يجب على أعضاء الفريق بناء عادات وممارسات إيجابية، فعلى سبيل المثال: أن نفترض أولاً حسن النية عند زملاءِ العمل.

7- المساعدة بشكلٍ استباقي: تشجيع أعضاء الفريق على الشعور بالمسؤولية تجاه المشكلات المعلقة أو العمل المعلق، ومساعدة زملائهم في أداء واجباتهم بشكلٍ استباقي.

8- الفهم التنظيمي: ينبغي على الفرق التعلم باستمرار من تجارب وأعمال الفرق والإدارات الأخرى، إلى جانب الاستراتيجيات والمبادرات التنظيمية الهامَّة.

9- العلاقات بين الفرق: يمكن للمدراء تحديد مواعيد للاجتماعات والمناسبات والعروض التقديمية، سواءً مباشرةً أم عبر الإنترنت، حيث تتعرف فيها الفرق على بعضها بعضاً بشكلٍ أفضل، وتفهم عمل الفِرَق الأخرى، ويصبحون أكثر ميلاً للعمل معاً.

لتطوير هذه المعايير، جدوِل اجتماعاً أو اثنين لإعداد مفهوم بناء فريق يتمتع بالذكاء العاطفي وفوائده؛ إذ سيسمح لك هذا بكسب الفرق المشاركة.

ساعد بعد ذلك فرقك في اختيار معيار واحد للمناقشة والممارسة حتى تصبح عادة يستخدمونها باستمرار، حتَّى في خضم الأزمات؛ وبمجرد أن تصبح هذه القاعدة عادة، ساعد جميع أعضاء الفريق على الانتقال إلى القاعدة التالية، وهكذا.

تحسين الإنتاجية عن طريق الذكاء العاطفي

بما أنَّ الذكاء العاطفي يؤثر في العمل الجماعي، فمن الممكن تشجيع فرق العمل على تطوير معايير مرتبطة بالذكاء العاطفي؛ وذلك لزيادة إنتاجية الفرق الفردية، وإنشاء تعاون أفضل بين الفرق المتعددة.

يُعدُّ الموظفون الذين يمكن أن يثقوا بأعضاء فريقهم بطريقة ذكية عاطفياً، أكثر حماسةً للعملِ معاً بفعالية؛ إذ تجدهم يعاملون العملاء بطريقةٍ أفضل، ويبقون في شركتك لفترةٍ أطول، ويساهمون بمزيدٍ من الأفكار الإبداعية في المؤسسة.

في النهاية، تعتمد إنتاجية وربحية شركتك بأكملها على العمل الجماعي، ويعتمد العمل الجماعي المتكافئ ذو الأداء العالي على الذكاء العاطفي الفردي، والجماعي للفرق بأكملها.

 

المصدر