يُعدُّ الذكاء العاطفي ضرورياً عندما يتعلق الأمر ببناء حياة متوازنة، ولقد صُنِّف وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي ضمن أهم 10 مهارات في مكان العمل، وأنَّ الموظفين بحاجةٍ إليه من أجل تحقيق النجاح في عام 2020، كما أنَّه عنصر هام وأساسي للقيادة الفعَّالة، وهناك العديد من الشخصيات التي قدَّمت لنا المزيد من المعلومات عن الذكاء العاطفي، مثل "دانيال جولمان" (Daniel Goleman) و"ترافيس برادبيري" (Travis Bradberry) و"هوارد جاردنر" (Howard Gardner)، وفي هذه المقالة، سوف نتحدَّث عن كل ذلك؛ فالبحث هو المدخل الذي يساعدنا على معرفة المزيد عن الذكاء العاطفي وكيفية تأثيره في حياتنا.

الذكاء العاطفي هو القدرة التي تجعلك ذكياً بشأن مشاعرك وعواطفك، كما يستطيع أولئك الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي أن يكونوا أذكياء أيضاً فيما يتعلق بإحساسهم بمشاعر الآخرين وعواطفهم.

سنراجع في هذه المقالة تاريخ الذكاء العاطفي بإيجاز، ونعرف مَن الذي صاغ المصطلح لأول مرة، ومَن الذي يُعدُّ مؤسِّساً للذكاء العاطفي، ومساهمة "بيتر سالوفي" (Peter Salovey) و"جون ماير" (John Mayer) في عمل الدكتور "ديفيد والتون" (David Walton) و"جون جوتمان" (John Gottman)، ليستمر مجال الذكاء العاطفي في تحفيزنا وإلهامنا لتعلُّم ومعرفة المزيد.

تاريخ الذكاء العاطفي

في عام 1985، كتب رجل يدعى "واين ليون باين" (Wayne Leon Payne)، والذي كان طالب دراسات عليا، أطروحة دكتوراه تضمَّنت مصطلح "الذكاء العاطفي"، وقد يكون هذا هو الاستخدام الأكاديمي الأول لهذا المصطلح، وبدا أنَّه لا يوجد استخدام آخر له في البحث الأكاديمي على مدى الخمس السنوات التالية.

في عام 1990، أجرى الأستاذان الجامعيان الأمريكيان "جون ماير" (John Mayer) و"بيتر سالوفي" (Peter Salovey) أبحاثاً من أجل تطوير طرائق لقياس الفرق علمياً بين قدرات الناس العاطفية، وسرعان ما اكتشفا أنَّ بعض الأشخاص بدوا أفضل من غيرهم في التعرُّف إلى مشاعر الآخرين وحل المشكلات، خاصةً تلك التي تنطوي على مشكلات عاطفية، كما بدا أنَّهم أفضل في التعرُّف إلى مشاعرهم، وكانت إحدى هذه الأوراق البحثية بعنوان "الذكاء العاطفي".

ومنذ ذلك الحين، طوَّر "سالوفي" و"ماير" اختبارين لقياس ما عدُّوه ذكاءً عاطفياً؛ ولكنَّ اسمَيهما وأبحاثهما ليست معروفة أو معترف بها على نطاق واسع؛ إذ كانت معظم أعمالهما أكاديمية، بينما كانت أبحاث "دانيال جولمان" (Daniel Goleman) من أكثر الأبحاث شهرة، وهو كاتب ومستشار من نيويورك، وقد بدأ بكتابة مقالات لعلم النفس الرائج في أوائل التسعينيات، ثم كتب لاحقاً لصحيفة نيويورك تايمز (New York Times).

وبينما كان يُجري بحثاً لكتاب عن العواطف ومحو الأمية العاطفية في عام 1992، اكتشف مقالاً كتبه "ماير" و"سالوفي"، فطلب إذناً باستخدام مصطلح "الذكاء العاطفي" في كتابه، وقد مُنح جولمان الإذن بالفعل، وكان دائماً صريحاً في إخبار الناس من أين جاء المصطلح.

عندما نُشر كتاب "جولمان" تحت عنوان "الذكاء العاطفي" في عام 1995، وُضِع الكتاب كغلاف لمجلة التايمز (Times Magazine)، ثم بدأ "جولمان" بالظهور في العديد من البرامج التلفزيونية بما في ذلك برامج "فيل دوناهو" (Phil Donahue) و"أوبرا وينفري" (Oprah Winfrey)، كما بدأ بالترويج للكتاب الذي أصبح كتاباً عالمياً وظل على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز (New York Times) لمدة عام.

يعتقد بعضهم في هذا المجال أنَّ "جولمان" ربما أساء تقديم التعريف الأصلي للذكاء العاطفي؛ إذ تناول في كتابه الكثير من التفاصيل حول الدماغ والعواطف والسلوك، ولقد قالت "آني بول" (Annie Paul) رئيسة قسم المنشورات في معهد السير آرثر لويس للدراسات الاجتماعية والاقتصادية (Sir Arthur Lewis Institute of Social and Economic Studies): إنَّ "جولمان" شوَّه نموذج الذكاء العاطفي، كما قال "جون ماير" (John Mayer): إنَّ "جولمان" قد توسَّع في تعريف الذكاء العاطفي لدرجة أنَّه لم يعد له أي معنى أو فائدة علمية، كما قال إنَّ الذكاء العاطفي لم يعد مؤشراً واضحاً على النتائج.

في حين أنَّ "ماير" و"سالوفي" هما من بدأا إجراءَ أبحاث عن الذكاء العاطفي، بيد أنَّ عمل "جولمان" انتشر على نحوٍ واسع، كما أدَّى كتابه "العمل بذكاء عاطفي" (Working with Emotional Intelligence)، والذي نُشر عام 1998، إلى توسع التعريف أكثر؛ إذ أشار إلى أنَّ الذكاء العاطفي يتكون من 25 مهارة وقدرة وكفاءة، ومنذ ذلك الحين، كان هناك العديد من التعريفات الأخرى المتعلقة بالذكاء العاطفي، والعديد من الادعاءات حول ماهيته وكيفية عمله.

من صاغ مصطلح الذكاء العاطفي؟

لقد ابتكر "سالوفي" و"ماير" مصطلح "الذكاء العاطفي" في عام 1990 على أنَّه:

"شكل من أشكال الذكاء الاجتماعي يتضمن القدرة على مراقبة المرء لعواطفه وعواطف الآخرين والتمييز بينها، واستخدام هذه المعلومات لتوجيه تفكير المرء وعمله توجيهاً صحيحاً".

لقد بدأ "سالوفي" و"ماير" برنامجاً بحثياً بغية تطوير مقاييس صحيحة للذكاء العاطفي، وكان الهدف من البحث أيضاً استكشاف أهميته، وفي إحدى الدراسات التي كان فيها مجموعة من الأفراد يشاهدون فيلماً مزعجاً، تعافت المجموعة التي سجلت درجات أعلى فيما يتعلق بالوضوح العاطفي بسرعة أكبر في المتوسط.

ولقد عُرِّف الوضوح العاطفي على أنَّه القدرة على تحديد وتسمية حالة مزاجية معينة يشعر بها المرء ويعانيها، وفي دراسة أخرى، كان أولئك الذين سجلوا درجات أعلى في قدرتهم على إدراك مشاعر الآخرين وفهمها وتقييمها بدقة، أكثر قدرة على الاستجابة بمرونة للتغيُّرات التي تحدث في بيئتهم ومحيطهم الاجتماعي.

من الذي يُعدُّ مؤسِّساً للذكاء العاطفي؟

بينما يستمر البحث عن الذكاء العاطفي ومحاولة فهمه وتطبيقه في النمو على نطاق واسع، نما المصطلح وتطوَّر على مدى العقد الماضي، ولقد ساهم عدد كبير من العلماء والباحثين والمدربين والاستشاريين وحتى علماء الأحياء العصبية في النظرية.

ولقد قدَّم "ماير" و"سالوفي" الإطار الأصلي للذكاء العاطفي، وعرَّفاه على أنَّه:

  1. تعرُّف المرء إلى عواطفه وعواطف الآخرين.
  2. دمج العواطف في عمليات التفكير.
  3. التعامل مع العواطف المعقدة بفاعلية.
  4. تنظيم المرء عواطفه وعواطف الآخرين.

ولقد أظهرت العديد من الدراسات منذ ذلك الحين أنَّ الذكاء العاطفي قد يتنبأ في الواقع بمجموعة واسعة من السلوكات البشرية، تتضمَّن الصحة العقلية والبدنية، والرضا عن الحياة، والسلامة، والتفاعلات الاجتماعية الإيجابية، والإنجازات الأكاديمية، والأداء المهني، ويواصل علماء النفس البحث في هذا المجال حتى يومنا هذا من خلال تطبيقاتهم البحثية وأماكن العمل المختلفة.

ولقد بيَّنَت أولى الأبحاث التي نشرها "جولمان" أنَّ ما يصل إلى 67٪ من جميع الكفاءات التي عُدَّت ضرورية لأصحاب الأداء العالي كانت مرتبطة في الواقع بالذكاء العاطفي؛ إذ بدت فكرة الذكاء العاطفي ميزة عظيمة لمستويات القيادة العليا.

الفكرة الرائعة

وفقاً لمركز ييل للذكاء العاطفي (Yale Center for Emotional Intelligence)، يُعدُّ "بيتر سالوفي" (Peter Salovey) و"جون ماير" (John Mayer) مؤسسي الذكاء العاطفي عموماً؛ إذ لم يكن مصطلح الذكاء العاطفي موجوداً حتى عام 1987، ولقد جاءت هذه الفكرة الرائعة عندما كان "سالوفي" يطلي منزله مع صديقه "ماير"، فدرس "سالوفي" العواطف والسلوك، بينما درس ماير العلاقة بين العواطف والأفكار، فتعاونا وناقشا نظريات مختلفة للذكاء، وناقشا أيضاً القلق إزاء عدم وجود طريقة واضحة لوضع العواطف في نظريات الذكاء، كما تحدَّثا عن فكرة نوع جديد من الذكاء، والقدرة على التعرف إلى المشاعر واستخدامها وتنظيمها بفاعلية في الحياة اليومية.

وفي بحث نُشر عام 1990، وصف "سالوفي" و"ماير" فكرة ثورية جديدة، وهي فكرة "الذكاء العاطفي"، وكان هذا على الأغلب بداية التوجُّه إلى الذكاء العاطفي؛ إذ بدأت الفكرة بالظهور، وأصبح "سالوفي" أحد القادة المرموقين في هذا المجال؛ ممَّا دفع فكرة الذكاء العاطفي إلى الظهور أكثر.

ويستمر مركز ييل للذكاء العاطفي في استكشاف ما يعنيه الذكاء العاطفي حقاً تحت إشراف المدير الحالي للمركز "مارك براكيت" (Marc Brackett)، و"بيتر سالوفي" (Peter Salovey) الذي يشغل منصب الرئيس الثالث والعشرين لجامعة ييل (Yale University)، والذي يواصل تنفيذ مهمته الأصلية.

أعمال "دانيال جولمان" في الذكاء العاطفي

لقد قدَّمت أعمال "دانيال جولمان" (Daniel Goleman) فكرة ومفهوم الذكاء العاطفي لملايين الناس، ورغم أنَّ "سالوفي" و"ماير" هما مَن صاغا مصطلح الذكاء العاطفي، إلا أنَّ جولمان هو من جعله شائعاً من خلال كتبه وأعماله.

ويقول "جولمان" إنَّ مهارات مثل الوعي الذاتي والتحفيز الذاتي إمَّا تُرسَّخ أو تُدمَّر في مرحلة الطفولة، ومع ذلك، صرَّح أنَّ في إمكان البالغين تعلُّم هذه المهارات وتطبيقها، وعلى الرغم من أنَّ "جولمان" لم يكن أول من أوضح مفهوم الذكاء العاطفي، بيد أنَّ أعماله جعلت عناصر الذكاء العاطفي في متناول شريحة واسعة من المجتمع، وبفضله، صار التربويون يدركون فكرة الذكاء العاطفي ومدى أهميته.

الذكاء العاطفي في المدارس وأماكن العمل

لقد أدرجَت آلاف المدارس في جميع أنحاء العالم التعلم الاجتماعي والعاطفي في مناهجها، بناءً على أعمال "جولمان"؛ إذ غيَّرت أعماله في الذكاء العاطفي الطريقة التي ننظر بها إلى فكرة الذكاء المعرفي أيضاً؛ إذ أصبح بعضهم يدرك أنَّ معدل الذكاء المرتفع لا يضمن تلقائياً النجاح في الحياة.

وبحلول الثمانينيات، صار علماء النفس يركزون على أهمية مجموعات المهارات الأخرى التي قد تكون ضرورية لمعالجة المعلومات وتعزيز النجاح والقيادة، وتحقيق الرضا الشخصي والسعادة في العلاقات.

نظرية جولمان للذكاء العاطفي

لقد توسَّع "جولمان" في تطبيق مبادئ "ماير" و"سالوفي"، مستخدماً خمسة عناصر أساسية للذكاء العاطفي، وهي:

  1. الوعي الذاتي العاطفي، أو إدراك ما تشعر به لحظة بلحظة، والقدرة على فهم تأثير ذلك في الآخرين.
  2. التنظيم الذاتي، أو محاولة التحكم في مشاعرك، أو إعادة توجيهها وتعلُّم توقُّع العواقب قبل التصرف تصرفاتٍ متهورة.
  3. الحافز أو الاستفادة من العوامل العاطفية للمثابرة والتغلب على العوائق.
  4. التعاطف، أو تعلُّم كيفية التناغم مع عواطف الآخرين والإحساس بها.
  5. المهارات الاجتماعية، أو تعلُّم كيفية إدارة العلاقات بفاعليَّة وإلهام الآخرين.

لقد وُلِد دانيال جولمان" (Daniel Goleman) في 7 مارس 1946 في مدينة "ستوكتون" (Stockton) بولاية "كاليفورنيا" (California)، وهو عالِم نفس وكاتب وأستاذ جامعي وصحفي وشخص يسعى إلى تحفيز الآخرين، كما عمل في صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) لأكثر من 10 سنوات، وكان يكتب عن الدماغ والعلوم السلوكية.

ووفقاً لـ "جولمان"، الذكاء العاطفي ليس شيئاً ينبغي البحث عنه؛ وذلك لأنَّه جزء لا يتجزأ من نفسك الداخلية، ويدحض كتاب "جولمان" "الذكاء العاطفي" (Emotional Intelligence) العديد من الأساطير حول الذكاء المعرفي، بينما يقترح نموذجاً تكميلياً للذكاء العاطفي؛ إذ يعتقد  أنَّ اختبارات الذكاء مصممة لفحص المرشحين بناءً على قدرتهم على معالجة المعلومات، وليست كمؤشر على نجاحهم، كما يقول: إنَّ معدل الذكاء يساهم فقط في 20٪ من نجاحنا في الحياة، ومن ثم يجب أن نسأل أنفسنا ما الذي يساهم في  الـ 80٪ الأخرى، والواقع أنَّه الذكاء العاطفي؛ إذ يتضمن الذكاء العاطفي عوامل مثل:

  • القدرة على التحفيز الذاتي.
  • المثابرة.
  • السيطرة على الانفعالات.
  • تنظيم التعاطف والتحلِّي بالأمل وروح الدعابة.

ويرى "جولمان" أنَّ مهارات الذكاء المعرفي والذكاء العاطفي تعملان على نحو منفصل، ولكنَّهما ليستا متعارضتان؛ ممَّا يعني أنَّ المرء قد يكون عبقرياً على المستوى الفكري، ولكنَّه غير مؤهل عاطفياً، وقد يؤدي هذا الاختلال إلى بعض أكبر المشكلات التي يواجهها الناس في الحياة.

أعمال ترافيس برادبيري

إنَّ الدكتور "ترافيس "برادبيري" (Travis Bradberry) هو أحد الأشخاص الذين شاركوا في تأسيس شركة "تالنت سمارت" (TalentSmart)، وهي شركة استشارية تعمل مع شركات "فورتشن 500" (Fortune 500) التي تقدم تدريباً واختبارات على الذكاء العاطفي، وهو أيضاً أحد المشاركين في تأليف كتاب "الذكاء العاطفي 2.0" (Emotional Intelligence 2.0).

يُقدِّم كتاب "الذكاء العاطفي 2.0" (Emotional Intelligence 2.0) برنامجاً مُفصَّلاً يحمل اسم "تالنت سمارت" (TalentSmart) لزيادة ذكائك العاطفي، ويحتوي الكتاب على 66 استراتيجية مجرَّبة تعلِّم مهارات مثل الوعي الذاتي والإدارة الذاتية والوعي الاجتماعي وإدارة العلاقات، كما يتضمن اختبار الذكاء العاطفي المعروف باسم "تقييم الذكاء العاطفي"، والذي يساهم في تحديد الاستراتيجيات التي قد تساعد على زيادة ذكائك العاطفي.

ويستند البحث في الكتاب إلى أكثر من 500000 شخص حول العالم، ووفقاً للدكتور "ترافيس برادبيري" (Travis Bradberry) و"جين جريفز" (Jean Greaves)، قد يساعد البرنامج الأشخاص على تحديد مستوى ذكائهم العاطفي مع المساعدة على بناء مهاراتهم العاطفية.

وقد سلَّطَت نتائج الكتاب الضوء على قضايا صعبة نحن في أمسِّ الحاجة إلى تسليط الضوء عليها، مثل:

  • الفروق بين الجنسين من حيث الذكاء العاطفي.
  • الفروق بين الأجيال في الذكاء العاطفي.
  • التغيرات الثقافية فيما يخص الذكاء العاطفي.
  • التحولات الاجتماعية في الذكاء العاطفي العام.

مساهمة سالوفي وماير في المفهوم

لقد قدَّم نموذج "ماير" و"سالوفي" للذكاء العاطفي مفهوم الذكاء العاطفي على أنَّه قدرة معرفية منفصلة عن الذكاء العام.

ولقد قدَّم النموذج المقترح أربع قدرات أو فروع تتألف من:

  1. إدراك العواطف.
  2. التيسير العاطفي.
  3. فهم العواطف.
  4. إدارة العواطف.

تُعدُّ هذه المفاهيم القدرات الرئيسة التي يُعتقد أنَّها تتطور مع نضوج المرء، ويشمل إدراك العواطف إدراك المحفزات والإشارات غير اللفظية مثل الفن والمناظر الطبيعية، بينما يرتبط التيسير العاطفي بالقدرة على التحكُّم في المشاعر من أجل:

  • القدرة على التفكير في ظل التغيُّرات البيئية.
  • القدرة على تغيير الحالة المزاجية لرؤية المواقف بطرائق مختلفة.
  • القدرة على اعتماد أنواع مختلفة من التفكير.

ويتضمن فهم العواطف مفاهيم مثل معرفة العواطف، والمفردات العاطفية، وتغيير المشاعر واستبدالها بمشاعر أخرى بمرور الوقت، بينما ترتبط إدارة العواطف بالقدرة على إدارة عواطفك وعواطف الآخرين بطريقة سليمة.

الذكاء العاطفي كمجموعة من المهارات

يتكوَّن الذكاء العاطفي من مجموعة مهارات يُعتقد أنَّها تساهم في تعبير المرء عن عواطفه وعواطف الآخرين بدقة، كما قُدِّم الذكاء العاطفي على أنَّه استخدام للمشاعر التي قد تساعدنا على التحفيز في الحياة والتخطيط للأهداف وتحقيقها.

ولقد قال "بوليليوس سايرس" (Publilius Syrus) في القرن الأول قبل الميلاد:

"تحكَّم في مشاعرك، وإلَّا تحكَّمت هي فيك".

وتشير مُقدِّماتٌ معاصرةٌ أيضاً إلى أنَّ العواطف استجابة غير منظمة إلى حد كبير، ناتجة عن نقص للتكيُّف الفعَّال، وبالنظر إلى هذه التفسيرات، يمكننا أن نرى أنَّنا تقدَّمنا كثيراً في مجال الذكاء العاطفي، وقد بدأ كل هذا من خلال "سالوفي" و"ماير".

كُتب وأفكار جيل هاسون عن الذكاء العاطفي

"جيل هاسون" (Gill Hasson) هي مُدرِّسة وكاتبة ومدرِّبة مقيمة في برايتون (Brighton) في المملكة المتحدة، ولقد كتبت العديد من الكتب منها:

لقد عملت "جيل" كمدرِّسة في منظمات تعليم الكبار ومؤسسات التدريب وجامعة "ساسكس" (University of Sussex)، كما أنَّها متخصصة في دورات التنمية الشخصية وتدريس موضوعاتها مثل الثقة، واحترام الذات، والحزم، ومهارات التواصل، والمرونة، كما تدرِّس دورات التطوير المهني التي تتضمن مهارات المنتورينغ والتوجيه ودورات لتدريب الأفراد على تعليم الكبار، وتكتب "جيل" مقالات عن التطور الشخصي والتحسين الذاتي لمجلات مثل سايكولوجيز آند ناتشيرال هيلث (Psychologies and Natural Health).

لقد تحدَّثت في كتابها "الذكاء العاطفي: إدارة العواطف لإحداث تأثير إيجابي في حياتك ومسيرتك المهنية" (Emotional Intelligence: Managing Emotions to Make a Positive Impact on Your Life and Career)، عن فكرة الذكاء العاطفي كمهارة يمكنك إتقانها لتساعدك على إطلاق العنان لإمكاناتك الحقيقية، وعن فكرة أنَّ ذكاءك وموهبتك ومهارتك غير كافيين للنجاح في الحياة، وأنَّ قدرتك على إدارة مشاعرك وإدارة تفاعلاتك مع الآخرين أكثر أهمية، كما تعتقد "جيل" أنَّنا جميعاً ولدنا بهذه القدرة وأنَّ الذكاء العاطفي مهارة يمتلكها كل منا، وعلينا ببساطة تطوير تلك المهارة.

تحاول "جيل" في كتابها تغيير طريقة تفكيرنا في عواطفنا؛ فهي لا تنظر إلى العواطف على أنَّها شيء إيجابي أو سلبي؛ بل تروِّج لفكرة أنَّ جميع العواطف قد يكون لها هدفٌ إيجابي، وأنَّها قد تحقِّق لنا مصالحنا المثلى، وتقول "جيل" إنَّه من أجل تحسين ذكائنا العاطفي، علينا تحسين قدرتنا على فهم وإدارة العواطف، وعندما نعزِّز ذكائنا العاطفي، يمكننا التفكير على نحو أكثر وضوحاً وإدارة التوتر والتعامل مع التحديات بصورة أفضل، كما سنصبح قادرين على الشعور بالتعاطف والثقة والتواصل بصورة أفضل.

أعمال الدكتور ديفيد والتون في مجال الذكاء العاطفي

إنَّ الدكتور "ديفيد والتون" (David Walton) متخصص في التغيير السلوكي، ويعدُّ كتابه "الذكاء العاطفي: دليل عملي" (Emotional Intelligence: A Practical Guide) مثالاً رائعاً لكتاب يعمل على تنمية الذكاء العاطفي؛ إذ يخوض الكتاب في تفاصيل تساعدك على التحكُّم في عواطفك وفهم ما قد يشعر به الآخرون والتأثير فيهم، كما يستخدم الكتاب الوسائل التي قد تساعد على تطوير اليقظة الذهنية، وتقوية الإرادة، وتكوين نظرة إيجابية، وتقليل الصراع، وتحسين العلاقات، كما ستتعلَّم أن تكون أكثر حزماً وتعاطفاً في أثناء استكشافك للمفاهيم في الكتاب.

يدير الدكتور "والتون" برنامجاً تعليمياً مجتمعياً عن الصحة العقلية والاكتئاب والعلاج المعرفي وتنمية الطفل، وقد عمل في الأمم المتحدة وحكومة المملكة المتحدة وفي القطاعات الخاصة، ويستهدف كتابه بصورة أساسية المديرين التنظيميين الذين قد يكونون مهتمين بتحسين مهارات التعامل مع الآخرين على المستوى المهني.

جون جوتمان والذكاء العاطفي

"جون جوتمان" (John Gottman) هو أحد المشاركين في تأسيس معهد جوتمان (Gottman Institute)، ويشتهر "جوتمان" عالمياً بأبحاثه حول استقرار العلاقات الزوجية، وقد كتب أكثر من 200 مقال أكاديمي، وشارك في تأليف أكثر من 40 كتاب، من ضمنها كتاب "تربية طفل ذكي عاطفياً" (Raising an Emotionally Intelligent Child)، ومن ثم نجد أنَّ عمل "جوتمان" يتضمَّن تعزيز الذكاء العاطفي للأطفال، وبحسب أبحاثه، يبدأ الأطفال باستخدام استراتيجيات أكثر تعقيداً للتنظيم الذاتي العاطفي في سن العاشرة تقريباً، وغالباً ما تُقسَّم هذه الاستراتيجيات إلى فئتين:

  • أولئك الذين يحاولون حل المشكلات.
  • أولئك الذين يحاولون تحمُّل العواطف.

ولقد اكتشف "جوتمان" في بحثه أنَّه عندما يحاول الأطفال إجراء تغيير لمعالجة مشكلة أو قضية، يشاركون في حل المشكلات؛ ومن ثم يعملون على تحديد المشكلة ثم يشرعون في وضع خطة للتعامل معها، ومن ناحية أخرى، إذا رأوا أنَّ هناك مشكلة غير قابلة للحل، فإنَّهم يحاولون إدارة عواطفهم وتحمُّل الضيق الذي قد يشعرون به أو التحكم فيه، ويشعر "جوتمان" أنَّ التركيز على التحصيل الأكاديمي في مرحلة الطفولة كان أساسياً على مر السنين، مع تجاهل التنظيم الذاتي العاطفي في الغالب.

وبالنظر إلى أنَّ الذكاء العاطفي يمتلك قدرةً مضاعفةً على التنبؤ بالنجاحات التي سيحرزها المرء لاحقاً في الحياة مقارنةً بالذكاء المعرفي، تُعَدُّ هذه استراتيجيَّةً ضعيفة؛ إذ تبيَّن في إحدى الدراسات التي أجراها "جوتمان" في نيوزيلندا على أكثر من 1000 طفل أنَّ القدرة العقلية أو الذكاء العاطفي كانا مؤشرين على النجاح المالي أكثر من معدل الذكاء المعرفي أو ثروة الأسرة التي نشأ فيها الطفل.

كما يستعرض بحث "جوتمان" نظاماً من خمس خطوات لكوتشينغ العواطف، وهي:

  1. زيادة الوعي بعواطف الطفل.
  2. التعامل مع عواطف الطفل بصفتها فرصةً للتعليم أو التواصل.
  3. مساعدة طفلك على التعبير كلاميَّاً عن عواطفه.
  4. التعبير له عن التعاطف والفهم.
  5. وضع الحدود وحل المشكلات.

ويقول جولمان إنَّ هذا النوع من التحكُّم المعرفي يساعد على تعزيز القدرات الاجتماعية والاقتصادية.

نظرة على هوارد جاردنر

يعمل "هوارد جاردنر" (Howard Gardner) أستاذ الإدراك والتعليم في كلية الدراسات العليا في جامعة هارفارد (Harvard Graduate School of Education)، ومدير أول في مشروع "من الصفر" في كلية التربية بجامعة هارفارد (Harvard Project Zero)، ولقد ألَّف "جاردنر" أكثر من 30 كتاب واشتهر بنظرية الذكاءات المتعددة، ولقد لخَّص كتابه "الذكاءات المتعددة: آفاق جديدة في النظرية والتطبيق" (Multiple Intelligences: New Horizons in Theory and Practice) ما يقرب من 3 عقود من البحث في نظرية وممارسة الذكاءات المتعددة؛ إذ يقدِّم "جاردنر" مفاهيم:

  1. التطبيقات العالمية.
  2. الذكاءات المتعددة في مكان العمل.
  3. تقييم ممارسات الذكاءات المتعددة في المناخ التعليمي الحالي.

كما يستعرض "غاردنر" أدلة جديدة حول عمل الدماغ وتعزيز الذكاء في مرحلة الطفولة المبكرة، ولقد قدَّم نظرية الذكاءات المتعددة في أوائل الثمانينيات، وهو يعتقد أنَّ أفضل وصف للكفاءة المعرفية للإنسان يكون من خلال مجموعة القدرات والمهارات العقلية أو المواهب التي يسميها الذكاء، كما يعتقد أنَّ جميع الأفراد يمتلكون هذه المهارات بطريقةٍ ما.

أعمال "جاردنر" في مجال الذكاءات المتعددة

تقرُّ نظرية "جاردنر" أنَّ درجة وطبيعة هذه المهارات تختلف من شخص لآخر؛ ومن ثم تتجاوز هذه النظرية وجهة النظر التقليدية التي تقرُّ بأنَّ ذكاء الفرد يرتبط بامتلاك القدرة على الإجابة عن الأسئلة في اختبار الذكاء، كما يصيغ الذكاءات المتعددة في ضوء الأصول البيولوجية لكل مهارة من مهارات حل المشكلات.

على سبيل المثال: اللغة؛ فقدْ تختلف اللغة من ثقافة إلى أخرى، وقد يستطيع أحدهم إتقانها كتابةً ويستطيع آخر إتقانها خطابةً، وهكذا يعبِّر "جاردنر" عن أنَّنا مختلفون تماماً؛ وذلك لأنَّنا نمتلك مجموعات مختلفة من الذكاءات، كما يعتقد أنَّ في إمكاننا الحفاظ على بقائنا وقدرتنا على التقدُّم إذ تمكَّنا من حشد مجموعتنا الكاملة من الذكاء البشري ومزجها بالحس الأخلاقي.

فينياس غيج: دراسة حازمة لحالة الذكاء العاطفي

في عام 1848، أُصيب رجل يدعى فينياس غيج (Phineas Gage) بإصابة بالغة في رأسه، وكان "غيج" في ذلك الوقت يبلغ من العمر 25 عاماً، ويعمل كرئيس عمال.

لقد أصيب "غيج" في أثناء البناء، فبينما كان الفريق يستخدم عبوات ناسفة لتفجير الصخور لإخلاء مسار للسكك الحديدية، كان "غيج" يستخدم شيئاً يسمى "أداة الدك"، وهي أسطوانة طويلة مجوفة من الحديد تزن حوالي 6 كيلوجرامات، وفي ذلك اليوم المشؤوم، 13 سبتمبر، اصطدمت أداة "غيج" الحديدية بالصخرة، ممَّا أدَّى إلى انبعاث شرارة أشعلت المتفجرات عن طريق الخطأ، وما حدث بعد ذلك لا يصدق.

لقد مرَّت العصا عبر جمجمة "غيج"، ودخلت من خلال عظم الوجنة اليسرى وخرجت من خلال جمجمته وأعلى رأسه، وعلى الرغم من هذه الإصابة المروعة، جلس "غيج" وسرد بوعي ما حدث للتو.

ثم نظَّف الدكتور "جون هارلو" (John Harlow) الإصابة في أثناء فحص "غيج"، ورغم جهود الطبيب في تنظيف الجرح والتأكُّد من عدم ترك أي شظايا في المخ، التهب الجرح وسقط "غيج" في غيبوبة جزئية، وبينما اعتقد الجميع أنَّه سوف يموت، تعافى "غيج" لاحقاً، وأفاد الدكتور "هنري جيه بيجلو" (Henry J. Bigelow)، أستاذ الجراحة في جامعة هارفارد (Harvard University) أنَّ "غيج" قد تعافى تماماً، ولكن بعد هذا الحادث، تغيَّرت شخصية "غيج" تماماً - حتى بعد الشفاء - إذ أصبح شخصاً غير محترم، ومتغطرس، ويتلفَّظ أحياناً بألفاظٍ نابية، لدرجة أنَّ أصدقاءه قالوا إنَّ هذا ليس "غيج" القديم، فماذا حدث إذاً؟

في الواقع، التفاصيل ليست واضحة تماماً، ولكن يبدو أنَّ "غيج" Gage عانى من تلف في الدماغ، وبالأخص في القشرة الأمامية (قشرة فص الجبهة) التي اخترقها القضيب الحديدي؛ ممَّا أدَّى إلى التخلي عن اللباقة الاجتماعية.

في وقت وقوع الحادث، لم يكن يُعرَف عن كيفية عمل القشرة الأمامية بالضبط في أشياء مثل اتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي سوى القليل؛ إذ كان أطباء الأعصاب قد بدؤوا للتو في ربط الأمور ببعضها، وكانت إصابات "غيج" على الأرجح واحدة من أولى الأدلة المسجلة على أنَّ القشرة الأمامية كانت مرتبطة بالشخصية والسلوك.

وفي ذلك الوقت، قرَّر ديفيد فيريير (David Ferrier)، طبيب الأعصاب الاسكتلندي الذي أجرى بحثاً في الوظيفة الدماغية، أنَّ الضرر الذي يلحق بالقشرة الأمامية ليس له تأثير يُذكَر فيما يتعلق بالقدرات الجسدية، ولكن أظهر بحثه تغييراً واضحاً للغاية في شخصية الحيوان وسلوكه، ثم استخدم تجربة "غيج" كدراسة حالة لدعم ادعاءاته.

ولم يُعرف الكثير عن تفاصيل حياة "غيج" بعد الحادث، ولكن من المعروف أنَّه عمل كسائق لعدة سنوات في "نيوهامبشاير" (New Hampshire) قبل أن ينتقل إلى "تشيلي" (Chile)، ثم تدهورت صحته وعاد إلى الولايات المتحدة وتوفي في سان فرانسيسكو (San Francisco) في عام 1860 بعد تعرُّضه لنوبات كانت على الأرجح نتيجة إصابته.

تُعدُّ قصة "غيج" قصة رائعة تذكِّرنا بأنَّه لا يزال هناك الكثير لنتعلمه عن الدماغ البشري.

في الختام

تُعدُّ فكرة الذكاء العاطفي مذهلة ومثيرة للاهتمام، وكلما عرفت عنه أكثر، صار هناك المزيد لتتعلَّمه، وأهم ما نعرفه هو أنَّ الذكاء العاطفي مهارة ثمينة يجب تطويرها لتساعدك على النجاح والتطوُّر في الحياة، ولكي تعزِّز ذكائك العاطفي، فعليك أن تمارسه من خلال امتلاك مزيدٍ من الشفافية والصراحة حول شعورك، وبذل الجهود للتواصل مع الآخرين بالطريقة نفسها، ولكن اعلم أنَّ الذكاء العاطفي قد لا يُطوَّر ويُتقَن بين عشية وضحاها، ولكنَّك قد تطوِّره بالوعي والممارسة حتى تصل إلى النمو والفهم.